كأنَّ العالم تحوّل فجأة الى “حمام” كبير، وأصبحت “الطيابات” يسيطرن على كل مفاصله، السياسية والثقافية والرياضية والفنية، لا صوت يعلو على صوت “الكسّالا” و”لقباب” و”السطولا”، وسطّر على “السطولا” من فضلك. أشهر الحمامات اليوم هي حمام فيسبوك وحمام تيكتوك وحمام انستغرام…للرجال والنساء في كل وقت !
نقاشات مخيفة، تدور في هاته الحمامات الافتراضية، تتحول إلى معارك يشارك فيها نكرات ومشاهير، لا تختلف في شيء عن الشجارات التي تدور في الحمامات الشعبية. شعار واحد يرفعه الجميع : “كاين شي صداع ولا نديروه”. ولا ينبغي أن تكون بالضرورة معنيا بالموضوع كي تنخرط في “المعاطية”، و”ترمي كرموصتك فالشريط”…
مؤخرا قرر عشرات الآلاف من الفضوليين على وسائل التواصل الاجتماعي أن يتدخلوا بين رجل وطليقته، فقط لأنه مصري وهي مغربية.
هكذا تحولت قصة تامر حسني وبسمة بوسيل إلى ما يشبه مباراة بين “الرجاء” و”الأهلي »!
علما أن قصص “الكوبلات” لايعرف أسرارها إلا الله والمعنيَيْن بالأمر، ويستحسن عدم التدخل فيها، مصداقا للحكمة المغربية المعروفة: “ماكيدخل بين الظفرواللحم غير الوسخ”. كثير من الأزواج يصلون إلى “خزيت” ثم تعود المياه إلى مجاريها. وحتى لو سلّمنا أنّ من حقّ الجميع الإدلاء بدلوه أو بِسطله -كي نبقى في الحمام- مادام الأمر يتعلق بشخصيات عمومية، فإن التجريح والتشهير والشتم الذي ميّز تعليقات عدد من “المشاهير” في البلدين يدعو إلى القلق. الظاهرة تكشف كيف تساهم “السوشل ميديا” في تدميرأخلاق المجتمعات وتحطيم قيمها. الغاية تبرر الوسيلة. النكرات يفتشون عن الشهرة، والمشاهير يحلمون بالتربع على عرش”التوندانس”، لذلك يخوضون في المواضيع التي تستقطب اهتمام رواد وسائل التواصل الاجتماعي، حتى لو كانت على درجة عالية من الضحالة، لا تزعجهم السباحة في المستنقع، مادام ذلك يحقق الظهور والشهرة و »الأدسنس”…
ما فعلته وسائل التواصل الاجتماعي بسكان الكوكب، أكمله وصول دونالد ترامب إلى السلطة في أقوى بلد بالعالم. شعبوي عنيد ومعتدّ بنفسه، لم يعرف له العالم مثيلا، مصاب بإسهال كلامي حاد، كل يوم يجمع الصحافيين ويخوض في قضايا العالم المصيرية، بخفة لا تحتمل، كما لو كان يتحدث عن الشامبوان الأفضل للشعر الأصفر وغيرها من القضايا المصيرية في أي حمام عمومي … قادة العالم باتوا يضعون أيديهم على صدورهم كلما طلع ضوء النهار في الولايات المتحدة الأمريكية، في انتظار القنبلة التي سيلقي بها في وجوههم، ويتوقعون الأسوأ كل يوم. في أوربا وأمريكا الشمالية وآسيا والمحيط الهادي، والعالم العربي طبعا. الكل يخاف أن يجد نفسه مثل ملك الأردن، الذي عاش موقفا لا يحسد عليه في البيت الأبيض، بسبب نزوة رعناء من ساكن البيت، الذي يريد منه استقبال سكان غزة، دون أن يعير أدنى اهتمام لتداعيات ذلك على استقرار الأردن والمنطقة برمتها. علما أن العاهل الأردني أنقذته إنجليزيته الأنيقة وحسه الدبلوماسي الرفيع، لكن خذلته عيونه التي كانت ترمش بطريقة فضحت أعصابه المشدودة!
لقد وصل العالم درجة غير مسبوقة من الضحالة، تفوق ما نظّر له المفكّر الكندي آلان دونو في كتابه الشهير “نظام التفاهة”. تقرأ كلاما سخيفا منسوبا إلى شخصية لها وضع اعتباري، ولا تشك لحظة أن الأمر يتعلق ب”فايك نيوز”، خصوصا أنالافتراء والتلفيق أصبحا رياضة شعبية، لكنك تتفاجأ بأن التصريح حقيقي… ولا تعرف هل تضحك أم تبكي. خصوصا مع دونالد ترامب. لنتأمل هذا التصريح المنسوب لعدوّ المهاجرين: “لن أرحّل الأمير هاري من الولايات المتحدة الأمريكية، ما تفعله به زوجته الشريرة يكفيه!” رئيس أم “طيابة” في الحمام؟ التصريح حقيقي، صدر عن ترامب، رغم أن لا فرق بينه وبين مقولة رائجة على وسائل التواصل الاجتماعي، تنسب لهتلر، يقول فيها : “كان بإمكاني أن أحرق إيطاليا لكنني تركتها كي يعيش فيها أولاد الفقيه بنصالح!”
وعلى ذكر هتلر، “الفوهرر” أيضا وصل بطريقة ديمقراطية إلى الحكم. الديمقراطية التي أوصلته مع غوبلز إلى السلطة عام 1933 هي نفسها التي حملت ترامب وماسك في 2025، والتشابه بين الثنائي مخيف. رسام فاشل أراد أن يحكم العالم بالأمس، ومضارب عقاري، لم يقرأ في حياته كتابا، يتحكم اليوم في مصير الكوكب. يريد أن يبني كازينوهات على جثث خمسين ألف فلسطيني، وأن يسطو على قناة بنما، ويستعمر جزيرة غرونلاند، ويُلْحِق كندا بالولايات المتحدة الأمريكية… مخطئ من يظنّ أن ترامب ليس جادّا في مشاريعه. الرجل لم يُغيِّر الكلام الذي ردّده أيام كان مرشحا، بل يوضحه كل يوم أكثر، ويهدد ويتوعد… هتلر أيضا، بمجرد وصوله الى الحكم أبدى نيته في ضمّ النمسا باسم المصلحة الوطنية و”المجال الحيوي”، وظل يكرر كلامه، ويشتغل على المشروع بالترغيب والترهيب، إلى أن دخل فيينا في مارس 1938… صدق كارل ماركس عندما قال: “التاريخ يعيد نفسه مرتين، الأولى على شكل مأساة والثانية على شكل مهزلة”، نحن في عصر المهزلة!







