رغم أنها استطاعت أن تخلق رجة سياسية واجتماعية جعلت المغرب مهددًا في مرحلة معينة بعواصف ما سُمي بـ “الربيع العربي”، إلا أنها سرعان ما تحولت، وبعد أشهر قليلة من ميلادها، إلى مجرد ذكرى قد لا يقف التاريخ السياسي بالمغرب عندها كثيرًا.
يرجع عدد من المحللين هذا الأمر إلى أسباب متداخلة، بعد أن خضعوا لمجهر البحث في ميلاد الحركة وتطورها واختفائها. ورغم أن الحركة تحولت الآن في نظر عدد من أسمائها إلى حلم مجهض، بعد أن فقدت الزخم الشعبي الذي كان يغذي الاحتجاجات، وكذا الزخم الإقليمي والدولي الذي استمدت منه شرعيتها وقوتها، مما جعل تعامل السلطات معها حذرًا ومتوجسًا، فإن الحركة نجحت على الأقل في ترك بصمات تتمثل في تحقيق مكاسب معنوية.
الحركة توجد الآن في حالة موت سريري، بعد أن طرحت نفسها في مرحلة معينة كبديل للتعبير عن مطالب الشعب بشعارات كانت موضوعية.
المصير الذي لقيته الحركة وفشل محاولات إنعاشها وبعث الروح فيها من جديد لا يعني، حسب عدد من المتتبعين، أن الأمور قد تغيرت كثيرًا بالمغرب، حيث لا تزال الأرضية التي انطلقت منها الحركة موجودة، من إقصاء وتهميش وبطالة وفساد. هذا “رغم الجهود التي بذلت والتي يجب ألا ننكرها”، غير أن الوضع يقتضي الإقرار بأن “المشاكل الأصلية الكبيرة لا تزال قائمة، بحكم أن الفساد يتلون ويتخذ سلوكات وصورًا جديدة”.
ولأن أي فكرة تحمل بذور فنائها، فإن الحركة، وحسب عدد من المتتبعين، حملت بذور فناء كثيرة، منها: عدم الانسجام، وعدم النضج السياسي لعدد من الأسماء التي حاولت فرض نفسها كقيادات للحركة لمواجهة الدولة وفرض التغيير عليها. حيث تحكمت الانفعالات والعواطف في تحركات الحركة، إضافة إلى تهافت عدد من الأسماء الحقوقية على فرض أبنائهم ضمن قيادات الحركة، بشكل يتناقض تمامًا مع الشعارات التي كانت ترفعها.
هذا إضافة إلى بعض الخطوات الانفرادية التي أضرت بالحركة، لتأتي الضربات القاضية بعد تورط بعض أسمائها في مغامرات سياسية وأخلاقية أثارت ضجة كبيرة، ما خلق ثغرات كثيرة استغلتها الدولة لترويض الحركة.
في المقابل، فإن الموضوعية تقتضي التأكيد أيضًا على وجود أسباب جوهرية جعلت الحركة تختنق من الداخل، بعد الموقف الشاذ الذي اتخذته الأحزاب والنخب، رغم أن الحركة كانت ترفع شعارات معظمها يهدف إلى تحقيق مطالب الجماهير الشعبية التي نزلت للشارع تلبية لدعواتها. وجوبهت أحيانًا بتدخلات أمنية عنيفة، ما جعل الحركة معزولة ودون سند، وهو ما جعل جماعة العدل والإحسان تدخل على الخط وتوظفها لاستغلالها كورقة في صراعها مع الدولة.
من جهة أخرى، فإن الأحزاب المغربية لم تكن صريحة وتعاملت مع الحركة بانتظارية، حيث كانت تنتظر من سينتصر لتصبح معه، وتبنت منطق “مع الرابحة”، وهو ما ينطبق أيضًا على النخبة التي لم تنخرط، وبقيت تتفرج، وتركت مسافة بينها وبين ما يحدث من حراك شعبي، وهو موقف راجع لرغبة النخبة في الحفاظ على مصالحها، وهو ما يفسر أيضًا عدم ظهور أي أدبيات أو امتداد لأفكار الحركة في أي خطاب أو برنامج سياسي قد يمكن من استثمار ما فرضته حينها من خلخلة في موازين القوى.
ورغم ذلك، فإن الحركة تركت بصمات في سيكولوجية المواطن المغربي بعد أن أزالت عتبة الخوف، حيث أصبح المواطن المغربي أكثر جرأة في الدفاع عن حقوقه، وأصبح يتبنى فكرًا جديدًا قوامه أن مؤسسات الدولة خلقت لخدمته، وليس العكس.
هذا التأثير الذي خلفته الحركة يبدو أيضًا في عدد من المدن المهمشة والمناطق النائية، التي ظهرت فيها حركات احتجاجية، رغم أنها تقوم على نظام الأعيان الذي يعد نظامًا مهدئًا ومساعدًا في احتواء الأشكال الاحتجاجية.
وبخصوص الدستور الجديد الذي جاء بعد الاحتجاجات التي عمت معظم المدن المغربية، تبين اليوم أن الدستور هو “ترجمة لميزان القوى في مرحلة معينة. وحين نقرأه اليوم، ندرك جيدًا أن من يتحكم في تأويل النصوص هو ميزان القوى”. لكن ذلك لا يمنع من التأكيد بأن الحراك الذي قادته الحركة فرض على الدولة أن تقوم بمراجعات، رغم أنها “مراجعات ضمنية وليست صريحة”، بحكم أن الدولة تدرك وجود أشياء يتعين العمل على علاجها، لذلك تسعى إلى إعادة الهيكلة بطريقة تضمن لها موقعها.
اليوم، ومع تفاقم مؤشرات السخط الشعبي، لا يستبعد عدد من المتتبعين أن تظهر مستقبلاً مكونات مماثلة لحركة 20 فبراير. ففي مرحلة معينة، كانت الاختلاسات ونهب المال العام تتم بشكل واضح ومكشوف. وبعد المد الذي جاءت به الحركة، أصبحنا نعاين صورًا جديدة للفساد وتبديد الأموال العمومية بشكل يلمسه كل المواطنون الذين يتجرعون مرارة الغلاء وتدني جودة الخدمات. وما دامت هذه الأسباب قائمة، فيمكن أن يظهر مكون قد لا يكون بالضرورة 20 فبراير.







