واضح أن رئيس الحكومة، الملياردير عزيز أخنوش، قد استسلم للمنصب ورائحة أرباح “المازوط”، ولم يعد يخالط الناس…
كما هو واضح أن الناطق الرسمي باسم الحكومة لم يعد يتمشى في الأسواق ليعاين النار المستعرة في الأسعار، وكيف انتفخت الأثمنة وقفزت عالياً لتزيد من معاناة ملايين المغاربة “الضعفاء” مع القفة….
اليوم، أبطل شاب مغمور يمتهن بيع السمك كل هذا “التقاف” الحكومي.. وفضحنا جميعا..
كما جعل التبريرات السخيفة التي يقدمها أخنوش ومعه وزراؤه من محترفي الكذب الرسمي حول مسببات الغلاء تتلاشى كالفقاعات، بعد أن تبين أن عدوى “الخنششة” قد انتقلت لعدد من القطاعات، وتفشت بين بني جلدتنا، وصارت سلوكاً جينياً يتحكم في السوق ويفرض على المغاربة دفع الثمن وصُنع ثروات باردة لمصاصي الجيوب.
حكاية السردين الذي يخرج من المرسى بدرهمين ليست جديدة، ففي سنة 2021 أكدت رجاء كساب المستشارة البرلمانية السابقة أن سعر السردين في المرسى يكون بدرهمين لكنه يباع بـ25 درهمًا للمستهلك.
وأشارت ذات البرلمانية إلى أن المغرب بلد يصنع السيارات، لكن المستهلك لا يستفيد من ذلك، بحكم أن نفس السيارات وبمواصفات متطورة تباع في السوق الأوروبي بثمن أقل، وبالتالي المستهلك المغربي متضرر لا من ناحية الجودة ولا السعر. نفس الوضع يسري وفق كساب على الأدوية، بحكم أن المغرب ضمن لائحة الدول الأكثر غلاءً بالنسبة لأسعار الأدوية، مقارنة ليس فقط مع الدول العربية بل الدول الأوروبية، مع “وجود إشكال مرتبط بالجودة رغم أن المغرب كان من بين المصنعين الأوائل للأدوية”.
الخطير هو ما جاء في رد الوزير حفيظ العلمي، وزير التجارة والصناعة السابق، على كساب بعد أن تجنب الخوض في إشكال السعر، وتحدث عن قرب تشكيل “غرفة حرب” لتتبع جميع المنتحين والبائعين حتى لا تحدث مضاربات، وهي الغرفة التي لم ترَ النور طبعاً.
العلمي قال أيضًا “حيث يوجد المال، هناك مشاكل، وحيثما توجد ثغرة للربح، فإن الجميع يتهافت عليها”، ليضيف “نحن نعرف بالضبط ما يحدث”، وهو إقرار بأن الحكومة تدري أنها تجعلنا نفترس بعضنا وتستمع بذلك ما دامت تحصد عائدات ضريبية.
بائع السمك المراكشي كسر جدار الصمت والتواطؤ …وكشف أننا أمام حالة إنكار رسمي لمسببات الغلاء الفاحش الذي طال قائمة طويلة من المواد والسلع، بعد أن حلقت أسعار المحروقات،وعدد من الخدمات،و الخضر والفواكه واللحوم البيضاء والحمراء والأسماك بما فيها السردين عاليا.
يحدث هذا في بلد يملك واجهة بحرية تمتد على أزيد من 3500 كيلومتر، لكن مواطنيه محرومون من حقهم في الاستفادة من هذه الثروة التي تحولت إلى كعكة سنوية تسلم لأساطيل الصيد الأجنبية، مقابل مبلغ تافه يعادل “الباقي استخلاصه” بجماعة ترابية، وذلك نظير تمتع جميع مواطني الاتحاد الأوروبي بخيرات لم تجد يومًا طريقها لموائد ملايين المغاربة.
يكفي أن نعلم أن صادرات السمك المغربي ارتفعت بـ500 مليار سنتيم في سنة واحدة..
كما يكفي أن نعلم أن حوالي مليون طن من السمك تُسحق سنويا لصناعة زيت ودقيق السمك لتصديره.
و يكفي أيضا أن نطالع أسماء المستفيدين من هذه الثروات التي لا تحتاج لا إلى علف أو مرعى أو سقي أو لنفهم اللعبة التي ندفع ثمنها جميعا أو بالأصح القالب الذي يوزع علينا يوميا منذ سنوات.
من جهة أخرى فمبلغ 48 مليون أورو الذي نحصل عليه من الاتحاد الأوروبي مقابل آلاف الأطنان من الأسماك التي تخلق له صناعة، ورواجًا تجاريًا وسياحيًا بمئات الملايين من الأوروهات، دون الحديث عن الاستنزاف الذي تقوم به أساطيل من خارج القارة العجوز. صار معادلة مقلوبة وغير عادلة، لكن يصر بعض المسؤولين على تكريسها لاعتبارات سياسية أصبحت جد متجاوزة.
غلاء الأسماك لا يحدث طبعًا بسبب هذا النزيف، بل بفعل عجز جميع الإجراءات التي اتخذت عن محاربة الاحتكار الداخلي الذي يجعل سمك السردين يباع في المركب بـ3 دراهم ليصل إلى المواطن بـ25 درهمًا، والفرق يذهب لجيوب عدد من المتدخلين في عمليات مضاربة، ندفع ثمنها في نهاية الأمر وسط صمت حكومي.
هذا الواقع ظل قائمًا، وزاد استفحالًا بعد أن تبين أن الإجراءات التي اتخذت لضبط مسارات التسويق، قد انتهت بتكريس احتكار القطط السمان للرخص التي تتيح لهم التحكم في السعر، وتوسيع هامش الربح بشكل لا علاقة له إطلاقًا بقانون العرض والطلب.
قانون لطالما اختبأت الحكومة وراءه لستر عجزها عن مواجهة اللوبي الذي يتحكم في أسواق السمك، والنتيجة أن هذه الثروة صارت “وزيعة” تتقاسمها أساطيل الصيد الأجنبي ومسامر “الميدة” من أبناء جلدتنا.
سيناريو السردين هو ذاته سيناريو المحروقات الذي صار مسلسلا مكسيكيا مُملا بفضل صمت الجمهور…. وهو نفسه سيناريو الأدوية والسكن والتعليم الخاص فقط مع اختلاف المُخرجين…







