في 28 أكتوبر من سنة 2016، مات بائع السمك محسن فكري سحقًا في شاحنة قمامة في واقعة جرت على الدولة غضبًا لم تنطفئ جذوته إلى الآن، كما لم تندمل جروحه بعد أن تحول الحادث إلى شرارة أشعلت احتجاجات واسعة بالريف.
حينها، انتقل فريق من الوزراء إلى الحسيمة وجابوا الشوارع للاستماع إلى الناس، وكان من بينهم الملياردير عزيز أخنوش الذي حل بميناء الحسيمة وهو يرتدي قبعة وزير الفلاحة والصيد البحري.
أخنوش حينها استمتع بالكثير من الاستعراض لصيادين بسطاء، أيقن احدهم بأن الرجل مجرد تاجر باع ويبيع لنا الوهم، ولهذا خاطبه بجملته الشهيرة “ما عندي بو الوقت”… ليختصر حديثًا يعلم أن لا فائدة منه.
اليوم، وبعد مرور 9 سنوات على وفاة فكري، وللمفارقة يصبح السمك ومن جديد وقودًا لسخط بل وحراك مجتمعي صار يقلق الدولة، بعد أن تعامت الحكومة المشغولة بالتسخينات الانتخابية على الطرق الكثير في جدران الخزان.. وتركت ملايين المغاربة يختنقون بالغلاء.
اليوم، وبعد 9 سنوات نعاين كاتبة دولة من نفس حزب أخنوش تزور سوق الهراويين للسمك بالدار البيضاء بعد أن جعل بائع السمك المراكشي الحكومة عارية أمام الشارع.
الشاب وبغض النظر عن خلفيات مبادرته، أسقط جميع التبريرات الحكومية، وجعل كأس الغضب يفيض لدى المغاربة الذين تم مص جيوبهم على امتداد سنوات برعاية رسمية.
زكية الذكية لم تنس طبعًا أن ترتدي وشاحًا من نفس لون حزبها وكأنها ذاهبة لحملة انتخابية قبل أن تُفيق على وقع الاحتجاجات التي حاصرتها والتي كادت أن تنفلت للأسوأ لتقدم دليلاً آخر على أن هذه الحكومة المشؤومة تصلح أخطاءها بأخطاء جديدة أكثر غباءً.
والواقع أن الأسعار الجنونية التي وصلت إليها أسعار سمك السردين وعدد من الأصناف الأخرى التي يقبل عليها عموم الشعب، تؤكد بالملموس أن الحكومة كانت ولا زالت عاجزة عن مواجهة اللوبي الذي يتحكم في أسواق السمك على الصعيد الوطني، والذي يواصل نهب جيوب المغاربة، رغم ما قيل عن تدابير اتخذت لمراقبة مسارات التسويق من أجل القطع مع المضاربات.
من العار أن يدفع المواطن المغربي أكثر من 20 درهمًا مقابل كيلوغرام من السردين في بلد يعد من أهم مصايد السمك في العالم، فقط لأن بعض مصاصي الجيوب يواصلون سيطرتهم، ويتحكمون في طريقة تسويق هذه الثروة الوطنية التي لا يصلنا منها إلا الفتات..
أمر سبق لوزير مكلف بالحكامة أن دعا للتصدي إليه بمقاطعة باعة السمك ليومين في نصيحة مسمومة سيكون ضحيتها الأول هم الباعة بالتقسيط، دون كبار الوسطاء والمضاربين الذين يربحون مئات الملايين في ثوان، بمكالمة هاتفية، أو إشارة يد، على حساب المواطن، من خلال تفريخ سلسلة من عمليات البيع.
هؤلاء لهم حصانة لا زال مفعولها سارياً رغم مبادرة بائع السمك المراكشي، ورغم أن جمعيات حماية المال العام فضحت المستور، وكشفت أن الفساد في البلاد طال البر والبحر، بعد رصد الجرائم الخطيرة التي تتم بموانئ الصيد بتواطؤ بين عدد من المسؤولين ولوبيات أسواق السمك للتغطية على المضاربات التي تقفز بالأسعار إلى مستويات جنونية.
يحدث هذا رغم الرسالة الصريحة التي وجهها المغاربة للمسؤولين بسبب موجة الغلاء من خلال حملة مقاطعة، التي يبدو أن البعض لا يصر على معاندتها والتعامي عنها، وهو ما يفسر عدم مبادرة أي جهة رسمية لدخول عش دبايبر من يحرمون موائد المغاربة من ثروة تتمتع بها شعوب أخرى وبأسعار أقل مما نجبر على دفعه.
لقد سمعنا وزيرًا يقول إنه يتبنى نفس مبادرة بائع الحوت المراكشي، ونحن نقول له: تفضل و”رينا حنة يدك”.
ولكي نتأكد أن هذا الوزير يتقن فقط مضغ الكلام كولي نعمته، يكفي أن نعود هنا لتفاصيل شكاية وُضعت أمام النيابة العامة كشفت عن تلاعبات خطيرة تشعل أسعار السمك.
الشكاية التي تم ركنها في الأرشيف طبعًا.. تتعلق بسوق السمك للجملة بميناء مهدية الخاضع للنفوذ الترابي لإقليم القنيطرة، والتي أكدت حدوث تلاعب خطير من خلال تزوير مفترض في فواتير أطنان من السمك التي لم تدخل للميناء أصلاً.
وتحدثت الشكاية عن التلاعب في التصريح بكميات السمك المصطادة من البحر، وبيع السمك في السوق السوداء، مع مزاولة مهنة بيع السمك بالجملة دون التوفر على بطاقة بائع السمك، و”وجود تصاريح كاذبة ومزورة يتم إصدارها بتواطؤ ما بين أصحاب المراكب ومندوبية الصيد البحري”.
كما كشفت “استفادة بعض التجار من امتيازات لا تتوفر لباقي التجار بحكم أن بعض التجار لا يمكنهم بيع السمك إلا بعد التوفر على وثيقة تسمى «Etat de traçabilité achats» والتي يمنحها المكتب الوطني للصيد البحري، في حين هناك تجار آخرون يشترون السمك بدون أية وثائق”.
الشكاية ظلت مجرد صدى في واد، لأن العصابة التي تتحكم في سوق السمك لها أكثر من ذراع، وتعلم أن الحكومة الغارقة في تضارب المصالح ليست لها “مواعين نحاس” لفتح باب الريع الذي له أكثر من عنوان، لأن من يستفيد من الباطل لن يدافع عن الحق…
لهذا يراهن مصاصو جيوب المغاربة على جعل بائع السمك المراكشي مجرد “دون كيشوط” يصارع طواحين الهواء… وجعلنا جميعًا مجرد جيب مفتوح.







