من المؤسف أن تصرف الأحزاب السياسية كامل وقتها لـ “حرب القفف” التي جعلتها تتوحد في مواجهة “شاحنة” بايتاس وجمعية أخنوش، فقط لأن هذا الأخير استطاع أن يرفع الإيقاع من خلال توزيع عشرات الآلاف من القفف أمام أعين السلطة من خلال جمعيته، وبشكل عجز معه أعضاء الأحزاب الأخرى عن مجاراته، ليكون الحل هو “التشكي” و”التباكي”.
لا توجد ملائكة داخل الأحزاب، ومن يشتكي اليوم من القفة الانتخابية يعلم جيدًا أن رفاقه هم أيضًا شركاء في هذه “الإهانة” التي تمارس في حق مئات آلاف المغاربة تحت غطاء المساعدة والإحسان.
إهانة كان يتعين أن يتم وضع حد لها، وأن يتم القطع معها بشكل نهائي منذ فاجعة “سيدي بوعلام” التي خلفت وفاة 15 سيدة وهن يتدافعن رفقة أطفال صغار للحصول على قفة بئيسة بها قليل من الزيت والسكر والدقيق.
بعد هذه الفاجعة، حذرت عدد من الفعاليات الحقوقية من خطورة هذه العملية ومثيلاتها في العديد من مناطق المغرب النائية وفي الأحياء الهامشية للمدن، والتي تتستر تحت غطاء الصدقة والإحسان لخلق خزان انتخابي، لكن الصمت كان هو الحاسم.
أسماء من يوزعون “القفف” لابتزاز الفقراء في أصواتهم معروفة في كل مدينة وقرية، وهذه الممارسة ظلت عادة تتفاقم في شهر رمضان، لكن الاستثناء الحاصل هذه السنة، والذي جعل “غوت” الأحزاب يكثر، هو اقتراب موعد الانتخابات، خاصة بعد فضيحة شاحنة بايتاس التي بدت عارية أمام منزله إلا من قطعة كرتون.
بايتاس اختار الصمت وواجه فضيحة الشاحنة بابتسامة “ميتة” تكشف أن أسهم الرجل قد أفلست منذ أن تم وضعه في منصب ناطق لا يقول شيئًا.
هنا، لا بأس من العودة للبلاغ الذي صدر في سنة 2021 عن المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار، والذي هاجم فيه الأحزاب السياسية التي وجهت اتهامات مباشرة لرئيسه عزيز أخنوش باستغلال وتوظيف “قفف” المساعدات الغذائية التي توزعها مؤسسة “جود للتنمية” انتخابيًا.
المكتب قال أن “التجمع الوطني للأحرار لا يمكن أن يسمح لأي كان أن يمارس الابتزاز والإرهاب الفكري، أو أن يقدم له الدروس”، وأن تاريخه السياسي “الناصع البياض”، بحسب وصفه، “لم يسجل قط أن سخر فيه الجانب الجمعوي، أو جمع بينه وبين الجانب السياسي، لخدمة أجندات سياسوية”…
اليوم، لم نسمع أخنوش أو حزبه أو مكتبه السياسي أو حتى بعض برلمانييه يتطوعون للدفاع عن القفة بعد فضيحة الشاحنة بمنطق أن الفم المغلق لا يدخله الذباب… رغم أن الحزب ومعه هذه الحكومة تعودت أن تستعين بجيش من الذباب في مواقع التواصل الاجتماعي لتزييف الواقع والوقائع.
المؤسف في كل هذا أن الأحزاب، عوض أن تتدافع من أجل تقديم عرض سياسي ومشروع مجتمعي يراعي الانتظارات المتراكمة للشارع، صارت تتباكى حول من يوزع القفة أكثر وتتخوف من تأثير ما فيها من زيت ودقيق على الديمقراطية.
لن نستغرب كثيرًا إذا تحالف خصوم القفة بعد الانتخابات من جديد في حكومة المونديال، وهو سيناريو وارد بقوة ويكشف أن كل الغبار المثار حاليًا هو مجرد تسخينات استعراضية لم تعد تنطلي على المغاربة.
ليس في القنافذ أملس…







