كشف التصنيف السنوي لمجلة “فوربس” لعام 2025 عن قائمة المليارديرات في العالم، والتي ضمت ثلاثة مغاربة تجاوزت ثرواتهم مليار دولار، وهم عثمان بنجلون، أنس صفريوي، وعزيز أخنوش. وجاء التصنيف في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة في المغرب، حيث تتزايد نسب البطالة، وتتفاقم معاناة الأسر بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
المليارديرات الثلاثة وثرواتهم المتزايدة
وفقا لتقرير “فوربس”، يتصدر عثمان بنجلون، الرئيس التنفيذي لمجموعة “BMCE Bank of Africa”, قائمة أثرياء المغرب بثروة بلغت 1.6 مليار دولار، مرتفعة من 1.4 مليار دولار في عام 2024. المجموعة التي يقودها بنجلون، والتي تنشط في أكثر من 20 دولة إفريقية، تعتبر من بين أكبر الفاعلين في القطاع البنكي في المغرب. إلى جانب ذلك، يمتلك بنجلون استثمارات في قطاع الاتصالات من خلال حصته في الفرع المغربي لشركة “Orange” الفرنسية، إضافة إلى استثمارات أخرى في التأمينات والعقار.
أنس صفريوي، مؤسس ورئيس مجموعة “Douja Promotion”، والذي هو في الآن نفسه صهر رئيس الحكومة “عزيز أخنوش”، حلّ في المرتبة الثانية بنفس قيمة ثروة بنجلون (1.6 مليار دولار). المجموعة التي تدير واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في البلاد، كانت قد استفادت من عقود الإسكان الاقتصادي، التي أطلقتها الدولة في إطار سياسات تقليص العجز السكني. غير أن أسعار العقارات في السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعًا متسارعا، ما جعل الوحدات التي يُفترض أنها موجهة للطبقات المتوسطة والدنيا خارج متناول شريحة واسعة من المواطنين.
أما رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، فقد حلّ في المرتبة الثالثة بثروة بلغت 1.5 مليار دولار، مقارنة بـ1.7 مليار دولار في عام 2024. أخنوش، الذي يملك مجموعة “Akwa” يدير إمبراطورية اقتصادية ضخمة في قطاعات المحروقات والطاقة والغاز، حيث تمتلك المجموعة شركات مثل “Afriquia Gaz” و”Maghreb Oxygène” وهما من بين أكبر الشركات المهيمنة على سوق الوقود والغاز في المغرب.
مفارقة السلطة والثروة في ظل الأزمة المعيشية
تصنيف “فوربس” يأتي في وقت يواجه فيه المغرب تحديات اقتصادية كبيرة، حيث ارتفعت نسبة البطالة إلى أكثر من 21%، بينما يعاني الاقتصاد من ضغوط تضخمية مستمرة. في المقابل، كشفت تقارير رسمية أن معدل الفقر في البلاد قارب 20%، وسط تزايد الضغط على الأسر بسبب ارتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات.
ورغم أن الحكومة، التي يقودها أخنوش منذ 2021، اتخذت بعض الإجراءات لمواجهة الأزمة، مثل تقديم دعم مالي مباشر لمهنيي النقل للحد من تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات، إلا أن تلك الخطوات لم تمنع استمرار الغلاء. وتُتهم شركات توزيع الوقود، ومن بينها “Afriquia Gaz” التابعة لأخنوش، بتحقيق أرباح ضخمة من تحرير قطاع المحروقات منذ 2015، ما زاد من أعباء المواطنين في ظل غياب أي سياسات فعالة لكبح الأسعار أو دعم القدرة الشرائية بشكل شامل.
المفارقة التي يسلط عليها تقرير “فوربس” الضوء، هي أن رئيس الحكومة، الذي يفترض أن يدير السياسات الاقتصادية والاجتماعية، هو في الوقت نفسه رجل أعمال كبير، يحقق أرباحا من القطاعات التي تؤثر بشكل مباشر على معيشة المغاربة. ينضاف إلى ذلك صهره، أنس صفريوي، الذي يستفيد بدوره من السياسات العمومية في قطاع العقارات، مما يثير تساؤلات حول تداخل المصالح الاقتصادية مع السلطة السياسية.
غياب الضرائب على الثروة وتفاوت اقتصادي متزايد
رغم تضخم ثروات كبار رجال الأعمال في المغرب، لا تزال البلاد تفتقر إلى ضرائب تصاعدية على الثروة، حيث تعتمد الحكومة بشكل رئيسي على الضرائب المفروضة على الاستهلاك والرواتب، ما يجعل المواطن العادي يتحمل العبء الأكبر من المداخيل الضريبية للدولة. في المقابل، لم تُتخذ أي إجراءات لضبط الأرباح الطائلة التي تحققها بعض الشركات الكبرى، خصوصا في القطاعات الاستراتيجية مثل المحروقات والعقار، والتي تشهد أسعارها ارتفاعا مستمرا.
وبينما يتصدر المغرب قوائم الأثرياء في إفريقيا، تشير الإحصائيات إلى أن معدل الدخل الفردي لا يزال متواضعا مقارنة بدول الجوار، حيث لا يتجاوز متوسط الأجر الشهري 3500 درهم، وهو مبلغ بالكاد يكفي لتغطية تكاليف المعيشة في المدن الكبرى. هذا التفاوت يعكس فشل السياسات الاقتصادية في تحقيق توزيع عادل للثروة، ما يعزز الشعور بالاحتقان الاجتماعي.
تداعيات التصنيف على المشهد السياسي
يفتح وجود رئيس الحكومة على قائمة أثرى الشخصيات في البلاد الباب أمام نقاش واسع حول تضارب المصالح، ومدى تأثير الثروة على صناعة القرار السياسي. فبينما يواجه المغرب ضغوطا اجتماعية بسبب ارتفاع الأسعار وتفاقم البطالة، فإن أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين، والمستفيدين من الأسواق المحررة، هو نفسه الشخص المكلف بإدارة الأزمة، وهو ما قد يفسر، وفقا لمصادر، استمرار بعض السياسات التي تصب في مصلحة كبار المستثمرين على حساب المواطن العادي.
في ظل هذه المعطيات، تتسائل المصادر ذاتها، حول ما اذا كان بالامكان الحديث عن سياسات اقتصادية عادلة في بلد تتركز ثرواته في يد قلة قليلة، بعضهم في مواقع المسؤولية، وهل يمكن لحكومة يقودها ملياردير أن تتخذ إجراءات جذرية تقلص الفجوة بين الفقراء والأغنياء.







