بعد ما يناهز نصف قرن من التوترات الإقليمية والتعقيدات السياسية التي أحاطت بقضية الصحراء المغربية، تلوح في الأفق بوادر تطور واعد يفسح المجال لعهد جديد من الحسم. ففي ظل قيادة الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، وبدعم متزايد من القوى الدولية الفاعلة، تبدو المؤشرات قوية لتجاوز حالة الجمود التي طبعت هذا النزاع لعقود، والتي غدََّتها الخلافات الإقليمية ومحدودية التقدم ضمن إطار الأمم المتحدة. ويبدو أن التوجه الدولي الراهن يميل بوضوح إلى دعم الموقف المغربي، متخذاً من مقترح الحكم الذاتي أساساً لحل عادل ودائم.
يتمثل الدافع الرئيسي لهذا التحول المتسارع في الموقف الصريح والحاسم للإدارة الأمريكية، والتي جدَّدت بشكل لا لبس فيه على الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، معتبرة خطة الحكم الذاتي “الحل الواقعي الوحيد” لإنهاء هذا النزاع المفتعل. وقد عبرت شخصيات بارزة في الإدارة الأمريكية عن هذا التوجه علناً، مما عزز من مصداقيته وأبرز عزم الولايات المتحدة على إحداث اختراق نوعي.
وقد شكل اللقاء بين ليزا كينا، السكرتيرة التنفيذية لوزارة الخارجية الأمريكية، وستافان دي ميستورا، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، محطة بارزة في هذا السياق. فقد أكدت كينا خلال هذا اللقاء على وجوب لاستئناف المفاوضات بين الأطراف المعنية “في الحال”، مشددة على أن مقترح الحكم الذاتي المغربي الذي يمثل السبيل الوحيد للوصول إلى تسوية نهائية.
وفي سياق موازٍ، عكست زيارة وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، إلى الولايات المتحدة، عمق الدعم الأمريكي الذي يتجاوز حدود الإدارة التنفيذية ليشمل الكونغرس بغرفتيه، بما في ذلك تأييد رؤساء لجنتي الشؤون الخارجية والدفاع في مجلسي النواب والشيوخ. هذا الإجماع السياسي الداخلي يعزز من قوة التوجه الأمريكي الجديد ويمنحه زخماً إضافياً.
تشير القراءات الحالية إلى أن الولايات المتحدة تسعى لتجاوز ما يُوصف بـ «الجمود العقائدي” للأمم المتحدة، الذي يرى البعض أنه ساهم، ولو عن غير قصد، في تكريس الوضع الراهن الذي يصب في صالح النظام الجزائري الذي يسعى إلى إطالة الصراع أكبر مدة ممكنة. وبدأت الهيئة الأممية تدعم هذا التوجه بإجراءات عملية، مثل تقليص عدد موظفي بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (مينورسو) وتجميد التوظيف فيها، فضلاً عن تقارير صادرة عن مراكز فكرية مرموقة، مثل معهد المؤسسة الأمريكية للمشاريع والمجلس الأطلسي، تشير إلى احتمال تفكيك هذه البعثة في المستقبل القريب.
ومن الإشارات اللافتة أيضاً الإعلان عن انسحاب وشيك للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من مدينتي العيون وتندوف. وعلى الرغم من غياب تفاصيل دقيقة حول أسباب هذا القرار، إلا أنه يمكن تأويله كجزء من انسحاب تدريجي للجهات الدولية التقليدية من إدارة هذا النزاع، يمثل تحولاً جذريا في مقاربته.
وبدأ يظهر دور مراكز الفكر الأمريكية في هذا السياق، حيث دعا مايكل روبين، الباحث في معهد المؤسسة الأمريكية للمشاريع، إلى سحب أي شرعية تفاوضية من جبهة البوليساريو، مقترحاً أن تحل الحركة الصحراوية للسلام، وهي كيان سلمي، محلها كطرف شرعي في المفاوضات المستقبلية. هذه الدعوة الجريئة تبرز رغبة أكيدة في إعادة صياغة إطار الحوار بما يتماشى مع رؤية أكثر واقعية للسلام.
على صعيد آخر، تشير تقارير إلى مبادرات دولية بهذا مرتبطة بالزخم الأمريكي، حيث أشارت مصادر مقربة من البوليساريو إلى احتمال عقد مؤتمر دولي للتفاوض على حل نهائي. كما ألمح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تنظيم مؤتمر مماثل بمشاركة المملكة العربية السعودية في يونيو، وهو توقيت يتزامن مع تولي فرنسا الرئاسة الدورية لمجلس الأمن في أبريل. هذه المبادرات تعكس رغبة عالمية متزايدة في إيجاد مخرج لهذا النزاع بمشاركة أطراف إقليمية ودولية فاعلة.
وفي سياق التطورات المتسارعة التي تشهدها قضية الصحراء المغربية، والتي تتجه نحو تعزيز الموقف السيادي للمملكة، برزت مؤخراً معطيات جديدة ذات دلالة عميقة. فقد أعلن السيناتور الأمريكي الجمهوري البارز، جو ويلسون، عن دعمه القوي للمغرب في مواجهة ما وصفه بـ “إرهاب البوليساريو”، مؤكداً عزمه على تقديم مشروع قرار في الكونغرس الأمريكي يهدف إلى تصنيف الجبهة كمنظمة إرهابية. هذه الخطوة، الصادرة عن شخصية سياسية نافذة في الولايات المتحدة، تمثل تحولاً نوعياً في التعاطي الدولي مع ملف الصحراء، وتعكس تزايد الوعي بالمخاطر التي تمثلها الجبهة الانفصالية على الاستقرار الإقليمي.
بالتوازي مع هذا الدعم السياسي الأمريكي الهام، أعلن المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية عن تحرك أكاديمي مكثف يرمي إلى تفعيل مطلب تصنيف جبهة البوليساريو ككيان إرهابي على الصعيد الدولي. هذه المبادرة الأكاديمية تعكس إدراكاً متزايداً لدى النخب الفكرية والاستراتيجية، للأبعاد الأمنية والقانونية المرتبطة بأنشطة الجبهة، وتسعى إلى بلورة رؤية متكاملة تدعم الجهود الرامية إلى تجفيف منابع الإرهاب في المنطقة.
في نفس السياق أكدت مصادر قريبة من دوائر اشتغال الأمم المتحدة، أن تمت مناقشات بين الدبلوماسية المغربية والإدارة الأمريكية والخارجية الفرنسية، داخل مجلس الأمن، بخصوص التعامل مع البوليساريو والجزائر ويبدو أنهم اتفقوا على منح هذه الأخيرة “مهلة” من أجل التجاوب مع المواقف الجديدة، وخصوصا دعوةَ جميع الأطراف إلى الحوار على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي.، وأيضا إبعاد الملف عن اللجنة الرابعة.
ويتزامن هذا التوجه الدولي المتنامي لصالح المغرب مع تطورات داخلية بالغة الأهمية تشهدها مخيمات تندوف. فقد اندلعت احتجاجات غير مسبوقة في أعقاب المقتل المأساوي لشابين صحراويين على يد قوات الجيش الجزائري في مخيم الداخلة شرقي تندوف. وقد عبر المتظاهرون عن سخطهم العميق ورفضهم للوضع القائم من خلال رفع شعارات صريحة تدعو إلى العودة إلى الوطن الأم، المغرب. هذه التحركات الشعبية العفوية، والتي حظيت بتغطية واسعة من قبل العديد من الهيئات المدنية والحقوقية، تُعد مؤشراً قوياً على تحول نوعي في المزاج العام داخل المخيمات، وتعكس حالة من الرفض الداخلي المتصاعد ضد قيادة البوليساريو والجيش الجزائري الداعم لها.
إن هذه التطورات المتلاحقة، من الدعم الأمريكي الصريح والتحرك الأكاديمي لتصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية، والتنسيق المغربي الأمريكي الفرنسي داخل مجلس الأمن الدولي وصولاً إلى الاحتجاجات الداخلية المتزايدة في المخيمات المطالبة بالعودة إلى المغرب، تشكل مجتمعة ديناميكية جديدة تعزز بشكل ملحوظ الموقف المغربي في قضية الصحراء. وتؤكد هذه المعطيات على أن مسار الحل السياسي المتوافق بشأنه، والقائم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ربح الرهان على المستويات الإقليمية والدولية، في ظل تراجع نفوذ الأطراف الأخرى وتزايد المطالب الشعبية بإنهاء حالة الجمود والعودة إلى حضن الوطن.
لقد ترسخ في الوعي الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، أن المغرب لم يعد مجرد حليف عابر، بل ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي، وقوة فاعلة تُنتج الأمن في محيط مضطرب يمتد من شواطئ ليبيا إلى تخوم الساحل. إن هذا الإدراك العميق، الذي تجسده المواقف الثابتة لواشنطن وباريس، العضوين الدائمين في مجلس الأمن، يؤكد أن دعم الوحدة الترابية للمملكة ليس مجاملة، بل قناعة راسخة بأن استقرار المنطقة وسلامها يمر حتماً عبر مغرب موحد وقوي. ومع هذا الزخم الدولي المتنامي، الذي يرتكز على واقعية مقترح الحكم الذاتي، يبدو أن قضية الصحراء المغربية تقف اليوم على أعتاب فجر جديد، فجر طال انتظاره، يبشر بنهاية نزاع استنزف المنطقة لعقود، ويحمل في طياته بشائر الاستقرار والازدهار لمستقبل هذه البقعة العزيزة من العالم. المغرب، بخطى واثقة، يمضي نحو حسم هذا الملف، مستنداً إلى شرعية تاريخية ودعم دولي متزايد، ليُثبت للعالم أجمع أنه صانع للسلام ومُنتج للاستقرار مقابل نظام جزائري يدعم الحركات الانفصالية والإرهابية وينشر الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة..







