في مثل هاته الأيام، قبل تسع سنوات، رحل واحد من أهم الشعراء العرب في العصر الحديث: محمد الصغير أولاد أحمد، مؤلف “القيادة الشعرية للثورة التونسية”.
من الصعب أن تفصل بين القصيدة والحياة وأن تفرق بين الشعر والثورة في حالة هذا الشاعر الفريد. مؤلف “حالات الطريق” رضع الثورة من ثدي مدينته الأم سيدي بوزيد، مهد الثورة التي أطاحت بزين العابدين بن علي وأطاح بها قيس سعيد. كان مستعجلاً في المجيء ومستعجلاً في الذهاب: لم ينتظر أن يحرق البوعزيزي نفسه كي يعلن الثورة في الشعر والشوارع، ولم ينتظر وصول زين العابدين بن علي إلى الحكم كي يدخل السجن ولم ينتظر وصول قيس سعيّد كي يختفي من المشهد… دخل إلى القصيدة كما يدخل لصّ إلى مصرف، بعدما كسّر الباب وأطلق النار على الحراس. عام 1984، دفع إلى المطبعة ديوانه الأول “نشيد الأيام الستة”، لكن رقابة بورقيبة صادرته لأنه يتضمن جملة تمس ب”الزعيم”. طلبوا منه حذف المقطع مقابل نشر الديوان، لكنه رفض أن يغير حرفاً واحداً من قصيدته، وانتصر عام 1987 على الرقابة، حين صدر الديوان بكامل مخالبه، كما ولد، دون تعديلات !
في دواوينه اللاحقة صاح متهكماً: “ليس لي مشكلة” و”لكنني أحمد”، وانزعجت منه السلطة مرة أخرى، لتستضيفه في “إقامة أدبية”ً، حيث أمضى أياماً محترمة في السجن، مرة بعد ما سمي ب”ثورة الخبز” عام 1985 في إطار الاعتقالات التي طالت أعضاء “الاتحاد العام التونسي للشغل”، وفي المرة الثانية “على حسابه الخاص” كما ظل يردد ساخراً.
كان أولاد أحمد محاربا شرسا على جبهة الضوء واللغة والجمال والسخرية. لم يهادن الرداءة قطّ. يتصرف مع الكلمات كأنها ذخيرة حية، يخبئها في مخزن سري، وحين يكتب قصيدته تسمع إطلاق نار كثيف…
في بداية التسعينيات، غادر تونس بعدما طرد من العمل حيث أقام مدة قصيرة في فرنسا، قبل أن يعود عام 1993 ليؤسس “بيت الشعر”، وهو الأول من نوعه في العالم العربي، مستلهماً ذلك من التجربة الفرنسية، لكنه غادر “البيت” مكرهاً بعد أن كاد له الكائدون، وسرعان ما انتشرت هذه “البدعة الحسنة” في معظم البلدان العربية !
رغم نجاحه الأدبي وانتشار قصائده، لم يتحول أولاد أحمد إلى شاعر أليف، كما يحدث للكثير من المبدعين الذين يدخلون القصيدة غاضبين، وما إن يتذوقوا حلاوة الاعتراف والشهرة، حتى تصير نصوصهم أليفة مثل قطط سمينة تموء في غرفة نوم. ظل يكتب بنفس الحدة والغضب، بالمخالب والأسنان. قصائد مدججة بالسكاكين، لها أنياب طويلة، ولا تتردد في عض التافهين والرديئين وعشاق الظلام.
ابن سيدي بوزيد أحب بلده حتى الموت، وكتب فيها قصائد غزلية شفافة، تذكرنا بشعراء كبار من عيار جاك بريفير وبول إيلوار:
نحبُّ البلادَ
كما لا يحبُّ البلادَ أحدْ
صباحا ً
مساءً
وقبل الصّباحِ
وبعد المساءِ
ويوم الأحدْ
ولو قتّلونا
كما قتّلونا
ولو شرّدونا
كما شرّدونا
لعُدنا غزاة
لنفس البلدْ… ً
من النادر أن تعثر على حب أشرس مما يتضمنه المقطع الأخير، الذي يهدد فيه المطرود بالعودة غازياً الى البلد الذي أخرج منه !
حين اندلعت الثورة التونسية نهاية 2010، بعدما أحرق البوعزيزي جسده ومعه الوطن العربي، كان الشاعر في طليعة من خرجوا الى الشارع وأدركوا أن الثورة آتية لا ريب فيها، وبدأ في تدوين يومياته وسط حمى الانتفاضة الشعبية، لينشرها في كتاب يشبهه كثيراً تحت عنوان: “القيادة الشعرية للثورة التونسية”.
في يونيو 2014، التقيته لآخر مرة في باريس. لم يكن يعرف بعد أنّ الخلايا الخبيثة تسللت إلى جسده النحيل، رغم أن علامات التعب كانت بادية على وجهه. تغير كثيراً. لكن السنوات لم تنل من سخريته ومزاجه الحاد… تغذينا معا وضحكنا كثيرا يومها.
قبلها بأكثر من عقدين، في بداية التسعينيات، التقيته لأول مرة في الرباط، بمناسبة مشاركته في مهرجان العاصمة، الذي ضاع وسط زحمة المهرجانات. أتذكره جيدا يصعد الى المنصة في “نزهة حسان”، ببنيته النحيلة ونظراته المتوجسة، ويتلفّت ذات اليمين وذات الشمال، قبل أن يشرع في قراءة “الوصية”:
“شبه متيقّن كنت، أمّا الآن: فعلى يقينِ مالحِ من أنّني سأموتُ ميتةَ غامضةً في الصّيف وتحديداً : أثناء النّصفِ الثالثِ من شهر غُشْتْ،
أحبّذهُ زوجيّاً، باسماً، ذلك اليوم. حليق الذقن، مُهذّبَ الأظافر، أنيقًا بربطة عنق خضراء، وحذاء أسود لمّاع … ”
كان يتوقع موته في الصيف لكنه ذهب في الربيع، قبل أوان الرحيل. شاعر بمزاج الحطيئة وقلب عروة بن الورد وشجاعة عنترة، يخبئ حنقه في جمل رشيقة، يعثر عليها في أماكن لا تخطر على بال، وحين يصففها على الورق، تصفع من يقرأها كما يصفع الهواء البارد وجهك في صباح مشمس. ديواناً بعد ديوان، كرس نفسه كأحد أهم الأسماء في الشعر العربي الحديث، وتبوأ مكانا مرموقا بين “الشعراء الملاعين”، رغم أنه لم ينل ما يستحق من اعتراف وتقدير مقارنة مع شعراء المشرق. رحمه الله ورحم ابن حزم الأندلسي، مؤلف “طوق الحمامة”، الذي كتب قبل ألف عام :
أنا الشمس في بحر العلوم منيرة
ولكنّ عيبي أنّ مطلعي الغرب !
الصغير الكبير!







