وجه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي انتقادات حادة للتعديلات المقترحة على المادة 3 من مشروع القانون رقم 03.23 المتعلق بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية، معتبراً أنها تفرض قيوداً على حق التقاضي وصلاحيات النيابة العامة في متابعة جرائم المال العام.
وجاء ذلك في رأي رسمي أصدره المجلس بطلب من مجلس النواب، حيث أشار إلى أن الصيغة الجديدة للمادة 3 أثارت جدلاً واسعاً بسبب تغييرها في مقاربة التعامل مع قضايا الفساد المالي، وتأثيرها المحتمل على السياسة الجنائية العامة لمكافحة الفساد.
ويقضي التعديل بأن النيابة العامة لا يمكنها إجراء الأبحاث أو إقامة الدعوى العمومية في قضايا المال العام، إلا بناءً على طلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، أو بإحالة من المجلس الأعلى للحسابات، أو استناداً إلى تقارير صادرة عن المفتشيات العامة أو الإدارات المعنية، أو بناء على إحالة من الهيئة الوطنية للنزاهة ومحاربة الرشوة. ويستثنى من ذلك حالات التلبس، حيث يمكن للنيابة العامة التدخل بشكل تلقائي.
ورأى المجلس أن هذا القيد يحد من فعالية ملاحقة الجرائم المالية، ويطرح تساؤلات دستورية حول مدى احترام الحق في التقاضي المكفول بموجب الفصل 118 من الدستور، الذي يضمن الولوج المتكافئ إلى العدالة، فضلاً عن الفصل 12 الذي يكرس دور المجتمع المدني، وكذلك التزامات المغرب الدولية، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي تشجع على إشراك المجتمع في التبليغ.
كما حذر من تعارض هذه المقتضيات مع نصوص القانون الجنائي، لاسيما الفصلين 209 و299 اللذين يعاقبان على الامتناع عن التبليغ عن الجرائم.
وفيما يتعلق بشرط “حالة التلبس” للسماح بتدخل النيابة العامة تلقائياً، اعتبر المجلس أن هذا المقتضى يبقى صعب التفعيل، نظراً لتعقيد الجرائم المرتبطة بالمال العام والتي غالباً ما تُرتكب في ظروف يصعب ضبطها بشكل مباشر.
من جهة أخرى، أعرب المجلس عن تحفظه تجاه التعديل المدرج في المادة 7 من مشروع القانون، والذي يشترط على الجمعيات الراغبة في الانتصاب كطرف مدني في القضايا الزجرية، التوفر على صفة المنفعة العامة، والحصول على إذن خاص بالتقاضي من الوزارة الوصية. واعتبر أن هذا الشرط الجديد يُضاف إلى تقييدات سابقة، ما يشكل تضييقاً على أدوار المجتمع المدني في مجال مكافحة الفساد والمساءلة.
وفي ختام رأيه، دعا المجلس إلى بلورة سياسة جنائية واضحة، تندرج في إطار إصلاح شامل ومتكامل، يتجسد في إصدار القانون الجنائي الجديد، وتحديد الأدوار والمسؤوليات في مكافحة الجريمة مع احترام الحريات والحقوق الأساسية.
كما أوصى بضرورة تقييم السياسات الجنائية بشكل دوري، استناداً إلى دراسات ميدانية وأبحاث علمية، مع اعتماد مقاربة شفافة ومنفتحة تشمل مختلف الفاعلين في منظومة العدالة، إضافة إلى الخبراء والمجتمع المدني والمواطنين، خاصة عبر المنصات الرقمية.
وعلى صعيد آخر، شدد المجلس على أهمية تعزيز مؤسسة قاضي التحقيق، من خلال توفير الموارد البشرية والمادية اللازمة، وضمان أدائها لمهامها في إطار معايير حقوق الإنسان والمحاكمة العادلة، مع إجراء تقييم علمي وموضوعي لنجاعتها، بهدف تحسين شروط المحاكمة وترشيد الموارد وتعزيز جودة العدالة الجنائية.







