في الوقت الذي يعول فيه المغاربة على مسلسل المحاسبة لعزل المنتخبين المتورطين في قضايا فساد، تفاجأ سكان عدد من الجماعات القروية بإقليم مولاي يعقوب ضواحي فاس، بما يشبه “العودة من النافذة بعد الطرد من الباب”، بعد انتخاب أقارب مباشرِين للرؤساء المعزولين خلفًا لهم، وسط صمت سياسي، وانتقادات جمعوية وحقوقية تتهم السلطات والأحزاب بـ”التواطؤ الصامت” مع منطق التوريث السياسي.
ففي جماعة “مكس”، التي عزل رئيسها السابق المنتمي لحزب الحركة الشعبية بناءً على قرار للمحكمة الإدارية بفاس بسبب اختلالات جسيمة في التسيير، لم تحتج عائلة الودي أكثر من أيام قليلة لتسترجع مفاتيح الجماعة، وهذه المرة عبر “شقيق الرئيس المعزول”، الذي تم انتخابه رئيسا جديدًا في انتخابات جزئية نظمتها عمالة الإقليم.
وفي جماعة “سيدي داوود”، السيناريو لم يكن أقل إثارة. بعد صدور حكم قضائي بعزل الرئيس السابق، “حميد اللحيوي”، المنتمي لحزب التجمع الوطني للأحرار، بسبب تهم خطيرة تتعلق بتبديد المال العام والتزوير واستغلال النفوذ، عادت العائلة لتسيير الجماعة من خلال “ابنته كريمة اللحيوي”، أستاذة التعليم الثانوي، التي فازت بالرئاسة بدعم مطلق من نفس الحزب الذي ترأس به والدها ” الجماعة.
هذه العودة السريعة لعائلات المعزولين إلى واجهة التسيير المحلي، أثارت سخطًا واسعًا في أوساط المتتبعين للشأن المحلي، الذين اعتبروا ما حدث “عملية التفاف على قرارات العزل” و”ضربًا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة”.
وفي تصريح لـ”نيشان“، وصف فاعل جمعوي من المنطقة هذا المشهد بـ”الكارثة السياسية”، قائلاً: السلطة القضائية تقوم بدورها، وتعزل المنتخبين المتورطين، لكن في المقابل، الأحزاب تستقبلهم بالأحضان، وتعين أقاربهم على رأس نفس الجماعات التي تورطوا في إفسادها. هذا استخفاف بالإرادة الشعبية وبمبدأ المحاسبة”.
من جانبه، انتقد فاعل حقوقي ما سماه بـ”التطبيع مع التسيير العائلي”، مضيفًا أن “بعض الجماعات أصبحت تُدار بمنطق العشيرة، وليس بمنطق المؤسسة الديمقراطية”، مبرزًا أن “الغياب المقلق لنخب بديلة” يعمق الأزمة ويترك الباب مفتوحا أمام “توريث الفساد” بدل محاربته.
وتعيد هذه الظاهرة إلى الأذهان ما وقع سنة “2021 بجماعة الحوافات بإقليم سيدي قاسم”، حينما عمد “عبد النبي عيدودي” (هشة بشة)، الذي عزلته المحكمة الإدارية حينها بسبب قضايا فساد، إلى “ترشيح شقيقته قمر” خلفًا له. وبالفعل، فازت قمر عيدودي برئاسة الجماعة، وسرعان ما أثارت الجدل في أول دورة للمجلس بعدما “أدرجت نقطتين تتعلقان بالتنازل عن شكايتين موجهتين ضد شقيقها”، ما اعتبر حينها “محاولة واضحة لطمس معالم ملفات ثقيلة”.
ويخشى فاعلون محليون أن يتكرر السيناريو ذاته في جماعات مولاي يعقوب بفاس، حيث تُمنح سلطة التسيير لأقارب مسؤولين سابقين خضعوا لعقوبات قضائية، دون أي ضمانات بأن هؤلاء “الخلفاء العائليون” لن يتحولوا إلى واجهات لحماية سابقيهم، أو لإعادة إنتاج نفس نماذج الفساد الإداري والمالي.
وحتى اللحظة، لم تصدر الأحزاب المعنية، التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية، أي بلاغ توضيحي أو موقف رسمي بخصوص هذه التعيينات، وهو ما اعتبره أحد المستشارين من المعارضة “مؤشرا على غياب الإرادة السياسية لإحداث قطيعة حقيقية مع الممارسات السابقة”.







