أثارت وقفة احتجاجية نظمها عدد من أرباب سيارات الإسعاف الخاصة أمام مقر القيادة الجهوية للوقاية المدنية بأكادير، الثلاثاء المنصرم، جدلا واسعا واستياءً حقوقياً بعد أن تضمنت مطالب وُصفت بالصادمة وغير المسبوقة، تمثلت في دعوة المحتجين إلى منع عناصر الوقاية المدنية من نقل المرضى والمصابين نحو المستشفيات العمومية، بدعوى “منافستهم في تقديم خدمات الإسعاف”.
التحرك الاحتجاجي، الذي اعتبرته فعاليات حقوقية “سابقة خطيرة” تمس السلم المجتمعي وتهدد الحق في الحياة، لم يمر مرور الكرام، إذ سارعت المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد إلى التعبير عن إدانتها الشديدة لهذه الخطوة، معتبرة أنها تضرب في العمق قيم التضامن الوطني والواجب الإنساني في إنقاذ الأرواح، وتدعو إلى “تخلي الدولة عن أدوارها الحيوية تحت ضغط المصالح التجارية”.
وفي بيان شديد اللهجة، اعتبرت المنظمة أن هذه المطالب “لا تستقيم لا قانونًا ولا أخلاقيًا ولا إنسانيًا”، وتشكل سابقة تستدعي التدخل العاجل من السلطات المعنية لوقف ما وصفته بـ”العبث”، مشيرة إلى أن عربات الوقاية المدنية لا تشتغل بمنطق الربح بل بمنطق الواجب الوطني، عكس سيارات الإسعاف الخاصة التي تعمل في إطار نشاط تجاري مشروع ما دام يلتزم بالقوانين وأخلاقيات المهنة.
ودعت المنظمة وزارة الداخلية ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى فتح تحقيق إداري لتحديد المسؤوليات، ومراجعة دفاتر التحملات الخاصة بتسيير قطاع الإسعاف الخاص، كما طالبت بتدخل القضاء للنظر في خلفيات هذه الوقفة المثيرة وما تحمله من دعوة “مبطنة إلى التخلي عن الأرواح في حالات الخطر”.
وأبرزت أن حماية الأرواح مسؤولية دستورية وأولوية وطنية لا يمكن أن تكون محل تنازع أو مقايضة تجارية، محذرة من تنامي ما سمّته “ظاهرة خصخصة الأزمات الصحية” وجعل حياة المواطنين مرهونة بالقدرة الشرائية.
وساءلت المنظمة الجهات الوصية عن خلفيات السماح بتنظيم مثل هذه الوقفات “الخطيرة في رسائلها”، متسائلة إن كانت حياة الإنسان باتت سلعة تخضع للمزايدة بين الفاعلين في القطاع الصحي، وعمّن سيتحمل المسؤولية إذا أُزهقت أرواح بسبب تأخر تدخل رجال الوقاية المدنية أو منعهم من أداء مهامهم.
وأكدت أن الوقت قد حان لسن قوانين صارمة لتنظيم قطاع سيارات الإسعاف الخاصة، تشمل التأهيل المهني الإجباري والمعايير التقنية والأخلاقية، بما يضمن خدمة صحية متكاملة وآمنة لا تتعارض مع أدوار الدولة.
كما أعلنت مراسلتها الرسمية لكل من “السعيد أمزازي” والي جهة سوس ماسة، وعامل عمالة أكادير إداوتنان، ووزير الداخلية عبدالوافي لفتيت، ووزير الصحة “أمين التهراوي”، والوكيل العام للملك، مطالبة بفتح تحقيق عاجل في الموضوع.
واعتبرت أن ما جرى في أكادير لا يمكن أن يُفهم إلا كناقوس خطر يقرع باب الضمير الجماعي، ويكشف عن خلل عميق في فهم أولويات المجتمع، مؤكدة أن الحق في الحياة والإسعاف لا يمكن أن يكون مجالاً للمزايدة أو الاحتجاج التجاري.
وختمت المنظمة بيانها بالتأكيد على التزامها بالدفاع عن كرامة المواطن، ورفضها التام لأي محاولة لتحويل مؤسسات الدولة إلى منافس تجاري، مشددة على ضرورة الوقوف بحزم في وجه كل ممارسة تمس الحق في الحياة، أو تعيق عمل الجهات المنقذة.







