إنها نتيجة نظام اعتقد أن الرقمنة كافية، دون التفكير في الحماية. اليوم، تنتشر آلاف بيانات الأجور الخاصة بالمواطنين المغاربة على الإنترنت، لنكتشف مرة أخرى مدى هشاشة مؤسساتنا أمام التهديدات الرقمية.
هذه ليست مجرد ثغرة تقنية، بل إنذار وطني، ودليل صارخ على أن بياناتنا، حتى الأكثر حساسية منها، مكشوفة، وغير محمية بالشكل الكافي، وغالباً ما تكون مستضافة خارج سيطرتنا. خلف هذه الهجمة، هناك سؤال جوهري لا نطرحه: هل نحن مستعدون فعلاً لسيادة رقمية حقيقية؟
سواء كانت البيانات المنشورة صحيحة أم لا، فهذا لا يغيّر من جوهر المشكلة. الفضيحة الحقيقية هي أن مؤسسة عمومية بهذا الحجم والحساسية تم اختراقها بهذه السهولة. والأسوأ أن هذا حدث في عام 2025، رغم كل التحذيرات خلال السنوات الماضية، وهو ما يؤكد أن الأمن السيبراني لا يزال الحلقة الأضعف في مسار رقمنة إداراتنا.
لقد بدأت CNSS، شأنها شأن إدارات أخرى، منذ سنوات، في التحول الرقمي من خلال التصريح الإلكتروني بالأجور، وتبادل الوثائق عبر الإنترنت، وتدبير الحقوق الاجتماعية عن بُعد. هذه خطوات ضرورية ومنتظرة. لكن عندما لا تستند هذه التحولات إلى بنية آمنة، تصبح تهديدًا هيكليًا.
كثيراً ما يتم تطوير المنصات الرقمية بسرعة، دون تدقيق أمني مسبق، أو تشفير قوي للبيانات، أو مراقبة آنية. وكثيرًا ما يتم اعتبار الأمن السيبراني مجرد بند في نهاية دفتر التحملات، أو يتم إغفاله تمامًا.
الأمر ليس جديدًا على المهنيين في المجال. لطالما حذرنا من الثغرات المحتملة، والإعدادات الهشة، والتحديثات المؤجلة، وغياب الرقابة الجدية. لكن، بسبب قلة الموارد، أو غياب الإرادة، أو عدم فهم الرهانات، تبقى التوصيات حبرًا على ورق.
ولا يتوقف الأمر عند الثغرات التقنية، بل يتعداه إلى مسألة مكان استضافة البيانات. كيف يمكن قبول أن بعض المنصات الحكومية المغربية لا تزال تُخزن بياناتها في الخارج سنة 2025؟ كيف يمكن تقبل أن شهادة بسيطة للعقار أو مخطط معماري أو بيان أجر، تمر عبر خوادم خارج المغرب (السحابة الإلكترونية)، دون أي ضمانات قانونية أو تقنية بشأن سلامتها وسريتها؟ هذه ليست فقط مسألة أمن، بل مسألة سيادة.
حان الوقت للتخلص من عقلية “سنرى لاحقًا”. لم يعد الأمن السيبراني ترفًا، أو مجرد خيار إضافي في الميزانية. يجب أن يكون جزءًا أصيلاً من كل مشروع رقمي، وأن يُفكر فيه منذ لحظة التخطيط، باعتباره ركيزة أساسية.
وهذا يتطلب وضع سياسات أمنية واضحة، وإدارة فعالة للثغرات، وتكوينًا مستمرًا لفرق تقنية المعلومات، وتدقيقات مستقلة منتظمة، والأهم من ذلك: حوكمة مركزية منسقة وصارمة.
ما حدث في CNSS قد يكون فقط أول اختبار في سلسلة طويلة من التحديات الرقمية إذا لم نتحرك. تسريب البيانات لا يتسبب فقط في خسائر تقنية، بل يهدد ثقة المواطنين، ويضرب السمعة، وينتهك الحقوق، ويعيق تقدم الرقمنة بسبب فقدان المصداقية. كيف يمكننا أن نطلب من المواطنين والشركات التصريح، والدفع، والتبادل عبر الإنترنت، إذا كانوا يشكون في أمان النظام؟
على الدولة أن تضطلع بدور محوري. يجب أن تفرض معايير واضحة على إداراتها، وتلزم باستضافة سيادية لجميع البيانات الحساسة، وتضمن رقابة وطنية على نظم المعلومات العمومية، وأن تُحيط نفسها بكفاءات حقيقية تقود هذا التحول الرقمي الآمن.
لا يزال أمامنا وقت للتحرك. لا يزال بالإمكان التصحيح، والتحسين، وبناء منظومة رقمية مغربية آمنة، ومرنة، وتستحق ثقة المواطنين. وللنجاح، علينا أن نتعامل مع ما نعيشه اليوم بجدية: إنها إنذار، لا حادثة عابرة، وتنبيه، لا مجرد خطأ تقني.
وسيم الهاني
مسؤول أمن نظم المعلومات وخبير في الأمن السيبراني







