دشّن حزب التجمع الوطني للأحرار، أمس السبت، من مدينة الداخلة، أولى جولات تواصله الميداني تحت عنوان “نقاش الأحرار”، وهي لقاءات كانت في الظاهر تهدف إلى عرض حصيلة نصف الولاية للجماعات الترابية التي يسيرها الحزب. لكن سرعان ما تحوّل هذا اللقاء إلى منصة للدفاع المستميت عن شخص عزيز أخنوش، رئيس الحزب ورئيس الحكومة، على حساب الحديث عن إنجازات الحزب نفسها.
ووفقًا لما أفادت به مصادر خاصة لـ”نيشان“، فقد انبرى أحد القياديين البارزين في الحزب خلال هذا اللقاء المغلق، الذي حضره عدد من الوزراء وقياديون من المكتب السياسي للحزب، للدفاع عن رئيسه، متخليًا عن أي حديث جدي عن حصيلة الحزب في تدبير الشأن المحلي أو الحكومي.
وأضافت المصادر أن هذا القيادي، الذي يُعرف بولائه الشديد لأخنوش، لم يفوت أي فرصة لتوجيه رسائل دفاعية عن شخص مالك “مجموعة أكوا”، واصفًا إياه تارةً بالرجل الوطني الكبير الذي يتلقى الضربات دون أن يرد عليها، وأخرى بـ”ولد الناس لي كيخدم بنيتو لصالح الوطن”.
في السياق ذاته، أوضحت المصادر أنه رغم أن الحزب حاول تقديم اللقاء كجلسة مفتوحة مع المواطنين لعرض حصيلة الحزب في الجماعات الترابية والحكومة، فإن كل شيء تم ترتيبه بدقة متناهية قبل أسابيع، من قوائم الحاضرين إلى طبيعة المداخلات والأسئلة التي كان بعضها معدًا سلفًا لضمان الخروج بصورة مثالية، بعيدًا عن أي مفاجآت غير محسوبة.
وشددت المصادر على أن اللقاء لم يكن مفتوحًا كما تم الترويج له، بل اقتصر على مدعوين تم انتقاؤهم بعناية من وسط المقربين من الحزب ومن منتخبيه المحليين، بينما مُنع بعض الفاعلين المدنيين من دخول القاعة بدعوى “العدد المحدود”.
من جهة أخرى، اعتبرت المصادر أن الهاشتاغ الذي تبناه الحزب للمناسبة، “#مسار_الإنجازات”، بدا كأنه استنساخ مباشر لتجربة سابقة تحت عنوان “#مسار_المدن”، التي أطلقها الأحرار قبل انتخابات 2021، مما يكشف إصرار الحزب على إعادة تدوير نفس الآليات التسويقية رغم تغير السياق السياسي.
ووفقًا لمصادر “نيشان“، فإن أخنوش وجه تعليمات مشددة خلال اجتماعات داخلية إلى ضرورة تسويق صورة الحزب كـ”حصن منيع” في مواجهة ما سماه بعض قيادييه “التشويش السياسي”، خاصة بعد ارتفاع منسوب الانتقادات الموجهة لحكومته، سواء من المعارضة أو حتى من داخل الأغلبية، كما حدث مع خرجة نزار بركة الأخيرة.
المثير أن اللقاء حمل أيضًا نبرة دفاعية واضحة عبر مداخلة راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي، الذي حرص على التأكيد أن “الأحرار يقود الحكومة بهدوء”، في رد ضمني على الانتقادات الحادة التي لاحقت الحزب مؤخرًا.
العلمي لم يفوت الفرصة للتهجم على المعارضة التي وصف أداءها بالضعيف، مضيفًا أن الحزب وحلفاءه سيواصلون قيادة الحكومة لسنوات طويلة بفضل “الإنجازات”، في خطاب بدا بعيدًا عن المزاج العام الذي يشهد تآكلًا واضحًا في الثقة الشعبية تجاه مكونات الأغلبية.
مصادر حضرت كواليس “نقاش الأحرار” أكدت لـ”نيشان” أن عددًا من الأسئلة الحساسة المتعلقة بارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات الاجتماعية تم تجاهلها أو الالتفاف عليها بحديث إنشائي عام عن “الأزمات الدولية” و”الظرفية الاقتصادية العالمية”، مما أثار تذمرًا مكتومًا وسط بعض الحاضرين، خصوصًا المنتخبين المحليين الذين يواجهون بدورهم غضب القواعد في جماعاتهم.
وتؤكد المصادر أن هذه المعطيات تؤكد أن ما جرى في الداخلة لم يكن مجرد لقاء تواصلي عادي، بل كان بداية تنفيذ خطة استباقية لإنقاذ صورة الحزب استعدادًا لما يتوقع أن تكون معركة انتخابية شرسة وصعبة، في ظل متغيرات سياسية واجتماعية لا يبدو أن “الأحرار” يسيطر عليها بالكامل، رغم كل الاستعراضات الدعائية.







