يشهد مجلس عمالة فاس عاصفة من الانتقادات والغضب، بعد تواتر الاتهامات بشأن “اختلالات خطيرة” في توزيع الدعم العمومي على الجمعيات المحلية، وسط مطالب بوقف ما وصفه عدد من الفاعلين بـ”العبث المالي” و”التمييز السياسي” في صرف أموال عمومية من المفترض أن تخدم التنمية المحلية.
ووفق ما استقته “نيشان” من مصادر متطابقة، فإن “العملية برمتها شابها غموض كبير”، خصوصاً بعد تأجيل الدورة الاستثنائية للمجلس، التي كانت مبرمجة في 30 أبريل الجاري، دون تقديم أي مبرر رسمي.
وقال مصدر منتخب بالمجلس، فضل عدم الكشف عن هويته، إن السبب المباشر لهذا التأجيل هو “الجدل الذي خلفه ملف دعم الجمعيات بعد تسريب بعض المعطيات الحساسة، والتي تضع رئيس المجلس، حسن التازي شلال، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، في قلب عاصفة من الاتهامات بالتحيز الحزبي والولاءات الانتخابية”.
المثير في الأمر، بحسب نفس المصدر، أن “الوثيقة المسربة ليست الوحيدة التي تثير التساؤلات”، بل إن تصريحات من داخل المجتمع المدني تفيد بأن “المجلس اختار منح مبالغ مالية ضخمة لجمعيات رياضية محددة، على رأسها فرق كرة القدم المحلية، في حين تم تهميش جمعيات ثقافية وتنموية واجتماعية تقدم خدمات يومية ومباشرة لشرائح واسعة من المواطنين، خاصة في الأحياء الشعبية والهامشية”.
وفي هذا السياق، دخلت جمعية تدعى “أهل فاس للتنمية والعمل الاجتماعي” على خط الأزمة، وأصدرت بياناً شديد اللهجة، وصفت فيه طريقة توزيع الدعم بـ”المجحفة وغير الشفافة”. وقالت الجمعية إن “مجلس العمالة خصص دعماً كبيراً لجمعيات تفتقر إلى برامج واضحة وأهداف تنموية، فيما تم إقصاء الجمعيات الفاعلة التي تقدم خدمات حقيقية، لا سيما لفائدة الشباب والأطفال”.
ولم يفت الجمعية التحذير من تبعات هذا الإقصاء، معتبرة أن “استمرار نهج المحاباة والانتقائية يقوض ثقة المجتمع المدني في المؤسسات المنتخبة، ويُضعف من فعالية المبادرات المحلية”، كما دعت إلى ضرورة مراجعة معايير الاستفادة من الدعم، على أساس تكافؤ الفرص والمردودية الفعلية على أرض الواقع.
من جهتهم، عبّر عدد من رؤساء الجمعيات عن استنكارهم لما وصفوه بـ”تحكم سياسي في مساطر الدعم”، وقال أحد الفاعلين الجمعويين، في اتصال مع “نيشان“، إن “ما يحدث اليوم هو تكريس لنموذج مرفوض من الشراكات الشكلية، حيث يتم استغلال المال العمومي لإعادة إنتاج الولاءات”، مشدداً على أن “بعض الجمعيات المستفيدة لا تملك حتى مقرات قانونية أو سجل من الأنشطة السنوية، ومع ذلك حصلت على تمويلات ضخمة في زمن تقشف مالي واضح”.
يشار إلى أن مجلس عمالة فاس كان قد دافع، في تصريحات لبعض المقربين منه لوسائل إعلام محلية، عن اختياراته في الدعم، مشيراً إلى أن استراتيجية المجلس تركز على دعم الرياضة كرافعة لتأطير الشباب ومحاربة الانحراف، فضلاً عن عقد شراكات مع مؤسسات صحية واجتماعية وثقافية في إطار مقاربة مندمجة. ولفتت هذه المصادر إلى أن المجلس سيقوم بتمويل اقتناء أجهزة طبية لفائدة المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني، إلى جانب توقيع اتفاقيات مع جمعيات تُعنى بالإعاقة وحماية الطفولة.
غير أن هذه التبريرات لم تقنع الأطراف المنتقدة، التي طالبت بإخضاع الملف للمساءلة والتدقيق، داعية إلى فتح طلبات مشاريع مفتوحة في وجه كافة الجمعيات، واعتماد دفاتر تحملات واضحة المعايير ومعلنة، مع نشر اللوائح النهائية للمستفيدين وحجم الدعم المخصص لكل جمعية.
وبينما لم يصدر أي رد رسمي من رئيس المجلس لحدود الساعة، تتجه عدد من الجمعيات، وفق ما أكدته مصادر من داخل التنسيقيات الجمعوية بفاس، إلى التصعيد، من خلال توجيه مراسلات لوزارة الداخلية والمجالس الجهوية للحسابات، والمطالبة بتدخل فوري لـ”تصحيح مسار الدعم الجمعوي” الذي بات، وفق تعبيرهم، “أداة للترضيات السياسية بدل أن يكون رافعة للتنمية المحلية”.







