غالبا ما يذهب الحمار ضحية صراعات بشرية لا ناقة له فيها ولا جمل، مع الاعتذار أيضا للجمل وزوجته، لأن اللغة العربية تقحمهما في قضايا لا تخصهما منذ قرون. البشر محترفون في الافتراء على بعضهم البعض وعلى الحيوانات، خصوصا السياسيون… في هذا السياق وجد الحمار نفسه أهم شخصية مغربية في عيد العمال، قبل كل النقابيين والمناضلين والزعماء، الأحياء منهم والأموات، بسبب الأمين العام لحزب “العدالة والتنمية”!
ولا يسعنا إلا أن نسجل أن التشبيه الذي عقده عبد الإله بنكيران بين الحيوان الخدوم وبين من يرفعون شعار “تازة قبل غزة”، على منصة فاتح ماي، لم يكن موفقا بالمرة، لأن فيه إساءة إلى حيوان لم يصنع سوى الخير في البشر، أيًا كان دينهم أو عرقهم أو أصلهم أو انتماؤهم الطبقي أو السياسي، ولم يسبق له أن برّر مجزرة أو دعّم قاتلا أو دافع عن مجرم حرب…
الحمار لم يصنع إلا الخير مع البشر، منذ بدء الخليقة، لكن الإنسان في منتهى الحقارة، يفضل من يؤذيه على من يحسن إليه، ويطير صوابه إذا شبّهته بالحمار، رغم انه من أذكى الحيوانات وأنبلها، وأكثرها قدرة على الصبر والتحمل وأحسنها موهبة في الغناء، نعم الغناء، حاولوا أن تسمعوا جحشا ينهق في الخلاء، دون أحكام مسبقة، وستكتشفون أن صوته من أعذب الأصوات !
في قصيدة طويلة لفيكتور هوغو عنوانها “الحمار”، يدور حديث عميق بين هذا الحيوان الصبور وأحد كبار الفلاسفة الألمان:
“ما اسمك؟ قال كانط. اسمي الصبر، أجاب الحمار”…
والحقيقة أنه صبر كثيرا معنا، علما أنه حيوان “شريف”، و”دنوبو صعيبة”، “تخرج” في صاحبها. فليست هذه أول مرة يجد فيها نفسه وسط زوبعة بطلها عبد الإله بنكيران. في عزّ “شدّ لي نقطع ليك” بين بنكيران وحميد شباط، أيام كان الأول رئيسا للحكومة والثاني أمينا عاما لحزب الاستقلال، أخرج شباط تظاهرة احتجاجة في شارع محمد الخامس بالرباط، يتصدرها فيلق من “الحمير”، بهدف النيل من غريمه على رأس الحكومة وإضحاك الناس عليه، لكن السحر انقلب على الساحر وبات الناس يتندرون ب”المناضلين” الجدد الذين ألحقهم شباط بالمكتب السياسي لحزب “الاستقلال”، وظلت الصحافة تسأل الأمين العام لحزب “الميزان” وقتها عن “إخوته” في القيادة، كلما سمحت المناسبة… هكذا انتقم الحمار ممن حاول إقحامه في صراعات لا تعنيه!
وقبل ذلك بسنوات، نقلت أسبوعية “الصحيفة” في أحد ملفاتها، على لسان الحسن الثاني قوله في مستهل الثمانينات إنه سعيد لأنه حبَسَ عبد الرحيم بوعبيد في “عاصمة الحمير”، في إشارة الى ميسور، مما جعل المدينة تخرج عن بكرة أبيها في احتجاجات غير مسبوقة ضد الأسبوعية الراحلة. تحرّك الشارع واجتمعت هيئات المجتمع المدني، وأصدرت فروع الأحزاب بلاغات نارية… هكذا أتاح الحمار للمدينة المهمشة “فرصة العمر” كي تصوغ ملفا مطلبيا عاجلا حول أوضاعها، وفهم الميسوريون في النهاية أنّ معركتهم ليست ضدّ الصحيفة، بل ضدّ المسؤولين الذين همّشوا المنطقة طوال سنوات، ضدّ المنتخبين الذين ما إن يصلوا إلى البرلمان حتى يستقروا في الرباط وينسوا هموم من يمثّلوهم، ضدّ الولاة والعمّال الذين تعاقبوا على مدينتهم ولم يفعلوا شيئا للسكان… فهموا ذلك بفضل هذا الكائن العبقري الذين نتهمه بالغباء!
ولا أفهم كيف نحتقر الحمير وهي تحمل اقتصاد مدن كثيرة فوق ظهورها.
أعرف فضل الحمير على كثير من عديمي الضمير. كثير من العائلات عاشت بفضل هذا الحيوان. الحمير الصابرة. المثابرة. المدبورة. الحمير التي تشتغل مكان سيارات الأجرة. الحمير التي تجرّ عربات وتصطف قرب محطة الحافلات لنقل أمتعة المسافرين. الحمير التي تنقل قشّ العائلات البسيطة من بيت لبيت. الحمير التي تأكل برسيما قليلا وتحمل متاعا كثيرا. الحمير التي تجرّ حلبة رقص متنقلة وتحمل الفرحة من بيت العريس لبيت العروس. الحمير التي يمتطيها القرويون للمجيء إلى السوق كي يحمّلونها مؤونة الأسبوع، ويقفلوا عائدين في المساء إلى دواويرهم. الحمير التي كنا نتربص بها عندما كنا صغارا، نفكّ أسرها ونقتادها إلى مكان معزول كي نمارس فوقها رياضة “الحمورية”، طوال النهار. وعندما نفرغ من ألعابنا، نمنح للحمار حريته كي يتجول قليلا في شارع المدينة الوحيد، قبل أن يعثر عليه صاحبه. عادة ما يكون القروي المسكين قلب السوق رأسا على عقب، بحثا عن رفيق الطريق ومعيل الأسرة. وكان مألوفا لدينا أن نرى الحمير تتجول في أزقة المدينة جنبا لجنب مع بني البشر، دون “بردعة” ودون صاحب في كثير من الأحيان…
الحمار أجمل مخلوقات الله على الأرض. حدّقوا في أذنيه وخطمه وعينيه الصافيتين. كائن ظلمه التاريخ، من اليونان إلى العرب. لم يعترف بأفضاله إلا القليلون، رغم المجهودات الخرافية التي بذل من أجل راحة البشر.
في الدول المتقدّمة التي حرّرت العبيد والمرأة والجسد، تحرّرت الحمير أيضا. ما عادت هذه الكائنات الصبورة تستغل بلا رحمة وتتعرض لسوء المعاملة وتقحم في الشجارات. باتت تتمتع بحياة رغيدة في الحدائق والحقول والمنتزهات، وبوضع اعتباري يجعلها خارج الملاسنات والمعاجم السوقية، يزورها الأطفال كل يوم ليعبوا معها ويأخدوا صورا.
عندما وصلت إلى فرنسا أول مرة، وقبل أن أزور برج إيفل ذهبت لرؤية “تيتي”، لأن بنت أخي شوّقتني للقائه، هكذا يمشي تيتي، هكذا يأكل تيتي، هل سمعت غناء تيتي، هل رأيت أذني تيتي، متى نذهب عند تيتي… ولمّا ذهبت معها إلى منتزه الحي وجدت تيتي ينتظرنا: جحش جميل يأكل البرسيم ويصنع سعادة الأطفال !







