بعد ما يقارب أربع سنوات من تشكيلها، تجد الحكومة التي يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار نفسها أمام امتحان صعب مع الشارع المغربي، الذي لا يقرأ الإنجازات المفترضة من بيانات “مصطفى بايتاس” الناطق الرسمي باسم الحكومة أو عبر صفحات التواصل الاجتماعي المتخمة بتعليقات “الكتائب الالكترونية” وانكشارية “المديح والسماع”، بل يقرأها من جيبه، من ثمن السلع في السوق، من صمته أمام الصيدليات، من طوابير البطالة، ومن مستقبل أبنائه في مدارس وجامعات تتراجع فيها شروط الجودة عامًا بعد عام.
الحكومة التي رفعت شعار “الدولة الاجتماعية” منذ تعيينها في خريف 2021، تبدو اليوم، وقبل أشهر من نهاية ولايتها، محاصرة بالأرقام. والواقع أن الأرقام لا تجامل أحدًا.
فقر يتسع.. وهشاشة تنمو
وفق تقرير رسمي صادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فقد دخل ما يقارب 3.2 مليون مغربي إضافي في دائرة الفقر أو الهشاشة خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو ما رفع معدل الفقر من 1.7% إلى 4.9%. هذه القفزة النوعية في الفقر لا يمكن اختزالها فقط في تداعيات جائحة كورونا كما يروج بعض المسؤولين، بل ترتبط بفشل البرامج العمومية في ضمان تعافٍ اجتماعي حقيقي.
الدكتور محمد بن شقرون، الباحث في الاقتصاد السياسي، يرى أن هذه الأرقام تشير إلى “تراكم الإخفاقات الحكومية في مجال التنمية الاجتماعية، وهو ما يفسر هذا الارتفاع الكبير في عدد الفقراء. فلا تكفي الوعود المباشرة لدعم الفئات الضعيفة إذا لم تكن هناك سياسات تمويل فعّالة تواكب التحديات الاقتصادية العالمية والمحلية”.
وفي السياق نفسه، كشفت المندوبية السامية للتخطيط أن أكثر من 71.8% من الأسر المغربية تعيش بدخل سنوي أقل من المتوسط الوطني، في ظل تفاوت صارخ بين العالم الحضري (65.9%) والقروي (85.4%)، مما يعكس عمق الفجوة الاجتماعية بين المناطق.
ويكفي التذكير أن البرنامج الحكومي التزم في بدايته بتحقيق أثر ملموس في محاربة الفقر وتعزيز العدالة الاجتماعية، وهو وعد لم يلمس المواطن منه إلا النقيض، توالي زيادات أسعار المواد الأساسية، اتساع الفوارق المجالية، ومحدودية التغطية الاجتماعية الفعلية.
بطالة بنيوية… وسوق شغل مشلول
البطالة بدورها سجلت أرقامًا غير مسبوقة منذ سنوات، حيث بلغ عدد العاطلين عن العمل أزيد من 1.638.000 شخص، أي بمعدل وطني بلغ 13.3%. أما بطالة الشباب (ما بين 15 و24 سنة)، فقد بلغت 36.7%، فيما وصلت بطالة النساء إلى 19.4%، وهي أرقام توحي بإخفاق حقيقي في تفعيل الوعود المرتبطة بتحريك عجلة التشغيل.
وفي هذا الصدد، أكد الدكتور بن شقرون، أن “البطالة في المغرب ليست مجرد مشكلة هيكلية، بل هي أحد الأعراض الأشد خطورة للأزمة الاقتصادية التي يعاني منها البلد. فالمؤشرات تؤكد أن الحكومة لم تتمكن من خلق مناصب شغل جديدة تكفي لتلبية حاجيات السوق. بالإضافة إلى ذلك، قطاع المقاولات الصغرى والمتوسطة الذي كان يشكل عماد الاقتصاد المغربي يشهد انهيارًا كبيرًا في ظل الأزمات المتواصلة”.
وما يعمّق المأزق أن الحكومة لم تنجح في احتواء تداعيات إغلاق آلاف المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تمثل شريانًا اقتصاديًا أساسيا. حيث كشفت معطيات رسمية أن ما يفوق 50 ألف مقاولة صغيرة ومتوسطة أغلقت أبوابها أو جمدت أنشطتها منذ 2021، تحت ضغط الضرائب وارتفاع تكاليف الإنتاج، وانعدام آليات الدعم الفعلي.
تآكل القدرة الشرائية… والأسعار بلا سقف
في الأسواق، لا يحتاج المواطن إلى مؤشرات اقتصادية لفهم حجم التدهور، فأسعار الخضر واللحوم والأسماك والمواد الأساسية واصلت ارتفاعها رغم وعود الحكومة المتكررة بكبح جماح المضاربات.
ففي آخر تقرير لمندوبية التخطيط، ارتفع مؤشر أسعار الاستهلاك بنسبة تفوق 6.1% على أساس سنوي، وهو ارتفاع حاد شمل الأغذية (+11.6%) والنقل والطاقة، ما ساهم في تآكل مداخيل الأسر، خاصة في ظل جمود الأجور.
تقول خديجة مزيان، الحقوقية والفاعلة المدنية “ما نشهده اليوم هو أزمة تضخم حقيقية، تؤثر على القدرة الشرائية بشكل مباشر. فالأسعار في تزايد مستمر، وأجور العمال لا تكاد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، خاصة في ظل العجز الكبير في إنتاج السلع الزراعية بسبب الجفاف وارتفاع أسعار المواد الأولية”.
وتتحدث فئات واسعة من المواطنين، لا سيما الطبقة المتوسطة، عن شعور دائم بالاختناق المالي، مع تراجع القدرة على الادخار، واللجوء المتزايد إلى القروض الاستهلاكية، وتفاقم الدين الأسري، في ظل غياب إصلاح جبائي يُراعي العدالة.
الحماية الاجتماعية… ورش لم يخرج من نفقه
رغم المجهود السياسي والمؤسساتي الكبير لانجاح ورش الحماية الاجتماعية، إلا أن التنفيذ يعاني اختلالات ملموسة. فحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، 70% فقط من المغاربة يتوفرون على تغطية صحية، فيما ما يزال 30% محرومين منها. الأخطر أن أقل من ثلث السكان النشيطين المشتغلين (29.3%) فقط يستفيدون من التغطية الصحية المرتبطة بالشغل.
في هذا السياق يرى الدكتور بن شقرون أن “التغطية الصحية تبقى أحد أبرز التحديات أمام الحكومة الحالية، فهي لم تتمكن من تعميمها بالشكل الكافي. هناك تباين صارخ بين الطبقات الاجتماعية وبين المحال الحضري والقرى في استفادة المواطنين من التغطية الصحية”.
كما أشار تقرير للمجلس الأعلى للحسابات إلى أن برامج الدعم الاجتماعي تعاني ضعفًا في الاستهداف، وغيابًا في التنسيق بين المتدخلين، ما يجعل الأثر الاجتماعي لها أقل بكثير من الموارد المرصودة.
ويحذر اقتصاديون من أن الفشل في تمويل هذا الورش قد يُحول المشروع برمّته إلى واجهة سياسية، بدل أن يكون خطوة فعلية نحو تقليص الفوارق الاجتماعية وضمان الحماية للفئات الهشة.
حوار اجتماعي بلا أثر… واحتقان يعود تدريجيًا
رغم الجولات المتكررة لما سُمي بالحوار الاجتماعي، إلا أن مخرجاته ظلت محدودة الأثر. فقد فُسِّرت بعض الاتفاقيات بأنها ذات طابع انتقائي، استفادت منها فئة محدودة من الموظفين في قطاعات كالتعليم والصحة، بينما ظل قطاع واسع من الشغيلة، خصوصًا العاملين في القطاع غير المهيكل، على هامش هذا الحوار.
وتُسجل النقابات المهنية أن تأخر الحكومة في تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، وغموض آليات التمويل، تسببا في تأكل الثقة بين الأطراف الاجتماعية، وأدى إلى عودة الاحتجاجات في قطاعات عديدة كالصحة والتعليم والنقل.
مصدر نقابي وصف الوضع بـ”العودة إلى المربع الأول”، مؤكدًا أن الدولة لم تعد قادرة على شراء السلم الاجتماعي بنفس الأدوات القديمة، وأنه لا بد من إعادة هيكلة الحوار على أساس العدالة والجدية وربط الالتزامات بالأثر الفعلي على المعيش اليومي.
الشارع يتكلم… وصناديق الاقتراع تقترب
في خضم هذا الواقع، لا يمكن فصل الأزمة الاجتماعية عن السياق السياسي المقبل، حيث تتهيأ البلاد لانتخابات مرتقبة في أفق 2026. والتاريخ يُخبرنا أن المغاربة، وإن صبروا كثيرًا، فإنهم لا ينسون.
ستُطرح الحصيلة الاجتماعية بقوة، وسيُطالب الناس بجرد الحساب، بعيدًا عن لغة الإنجازات النظرية. لأن الدولة الاجتماعية، كما يردد المواطنون، “ليست شعارًا، بل هي رغيف الخبز، الدواء، الكرامة، والمستقبل لأبنائهم”.







