في مثل هذا الشهر، قبل 15 سنة، رحل واحد من أكبر المفكرين العرب في العصر الحديث : محمد عابد الجابري، الرجل الذي استأنف التفكير الفلسفي في الغرب الإسلامي على خطى ابن باجة وابن طفيل وابن رشد وابن خلدون… وكرّس حياته لدراسة “العقل العربي” وفهم بنيته وطريقة اشتغاله، تاركا مكتبة من المؤلفات التي تغوص في الماضي كي تأخذ منه ما يصلح للمستقبل.
صاحب “نحن والتراث” كان مثقفا من طينة نادرة، علَّمنا كثيرا من الدروس، أهمها أن الابتعاد عن السلطة وإغراءاتها لا يمكن إلا أن يفيد الفكر والنقد والتحليل، لأنه يحرر الكاتب من كل الرقابات، وعلى رأسها الرقابة الذاتية/
عندما شُيِّع المفكر الذي تخطت شهرته الحدود، في ذلك الثلاثاء البعيد، كان لافتا أن يحضر جنازته مستشار ملكي، هو الراحل محمد معتصم، وكثير من وزراء حكومة عباس الفاسي، وقتها، رغم أن الرجل لم يسبق له أن حظِيَ بأي تتويج رسمي… مفارقة تستحق التأمل، لأن مسار شخص مثل صاحب “بنية العقل العربي”، لا يمكن فهمه بمعزل عن العلاقة المركَّبة بين الفكر والسياسية، بين المثقف والسلطة، بين الفكرة والفعل.
كانت الجنازة امتحانا عسيرا لصحافيي “لاماپ”، الذين فتشوا طويلا عن أثر لأي اعتراف رسمي بمحمد عابد الجابري، لكي يدبجوا نعيا يليق بالمقام ويتماشى مع رسالة التعزية الملكية، لكنهم لم يعثروا على ما يشفي الغليل فاضطروا إلى الانقضاض على “ميدالية ابن سينا” التي سُلِّمَتْ للمفكر من طرف اليونسكو عام 2006، وأكدوا أن ذلك جرى “في حفل تكريم شاركت فيه الحكومة المغربية”…
كان يمكن لمؤلف “المثقفون في الحضارة العربية” أن يصير وزيرا أو سفيرا، مثل زملائه من مثقفي حزب “الاتحاد الاشتراكي” الذي أسهم في تأسيسه عام 1975، لكنه نجا من الكرسي بأعجوبة. طوال مساره الحافل، نجح في الحفاظ على “المسافة الضرورية” مع الدوائر الرسمية.
لم يحصل الجابري على “جائزة المغرب للكتاب”، التي تسلمها وزارة الثقافة ولو مرة واحدة، ولا على أيٍّ من الأوسمة الرسمية التي توزع في الأعياد الوطنية، كما لم يسبق له أن تقلد منصبا حكوميا أو استشاريا، رغم وصول رفاقه القدامى إلى الحكم في نهاية التسعينيات، وعلاقته الوطيدة بعبدالرحمان اليوسفي، وعدد كبير ممن استوزروا باسم “الاتحاد الاشتراكي”، طوال أكثر من عشر سنوات. حتى “أكاديمية المملكة” رفض عضويتها بأدب الكبار. كما يعرف الكثيرون أن مؤلف “نقد العقل العربي”، ظل يرفض “جائزة المغرب للكتاب”، دون أن يعطي لموقفه أي ضوضاء أو جلبة. كان يجنب أصدقاءه إحراجا مماثلا لذلك الذي سببه رفض الكاتب أحمد بوزفور، أطال الله في عمره، لهذه الجائزة عام 2004، التي تحولت إلى ما يشبه “المونتيف” من كثرة اللغط الذي تثيره كل عام !
الواقع أن الراحل لم يكن يحتاج إلى جوائز، بل كانت الجوائز تحتاج إليه، وكان يرجو من أصحابها أن يتركوه وشأنه، رفقة أفكاره، بعيدا عن النياشين والأوسمة.
رغم موقعه القيادي ومكانته المرموقة في حزب “القوات الشعبية”، اختار الجابري أن يخرج بهدوء من المعترك السياسي، لكن ذلك الاتحادي العنيد، الذي لا يثق في “البحر والعافية والمخزن”، لم يفارقه يوما. انسحب من السياسة، في صيغتها التنظيمية المباشرة، لكن الحزب ظل ملتصقا به كالظل.
لم يستطع منظِّر “القوة الثالثة” أن يغادر الخانة التي وضع فيها نفسه في بداية مساره الفكري، بقي مثقف “الاتحاد الاشتراكي” إلى آخر لحظة، وظلت جريدة الحزب لا تفوِّتُ أي فرصة كي تنشر صورته على صفحتها الأولى، جنب صورة عمر بن جلون، وكلاهما لعب دورا كبيرا في صياغة “التقرير الإيديولوجي” الشهير، الذي حوّل حزب “القوات الشعبية” من تنظيم ملتبس، يخترقه الثوريون والانقلابيون والبعثيون، إلى حزب اشتراكي ديمقراطي.
الجابري ترك، أيضا، وصية سياسية ثمينة اسمها “الكتلة التاريخية”، سيظل المغرب محتاجا إليها كلما حدث انسداد سياسي.
مؤلف “العقل الأخلاقي العربي” كان كبرياء المغرب أمام المشرق، أكبر تجسيد لما سمّاه عبدالله كنون بـ” النبوغ المغربي”، بفضله تحول المغرب إلى “رأس” لهذا الوطن العربي المترهل. رأس مرفوعة، أثارت غير قليل من الجدل والغيرة لدى كثير من المفكرين العرب، الذين لم يستوعبوا أن الشمس يمكن أن تشرق أيضا من المغرب !
وردة على قبر الجابري







