معطيات مثيرة كشفتها جلسة محاكمة المتهمين في شبكة السمسرة والتزوير في ملفات حوادث السير، التي تُتابَع فيها محامية وطبيبان وسائق سيارة إسعاف ووسطاء، بعد المرافعة التي قدمها نقيب المحامين بالرباط، عزيز روبيح، والتي كشفت أرقامًا فلكية حول حجم المبالغ المالية التي كانت تُودع في حسابات المحامية المعتقلة.
روبيح بسط، أمس الإثنين، أمام المحكمة الأسباب التي جعلت هيئة المحامين بالرباط تنصّب نفسها كمطالِبة بالحق المدني في هذه القضية، مؤكدًا أنه لا يمكن السكوت عن الفساد مهما كان مصدره. وقال إن تحدي التخليق، الذي رُفع منذ بداية هذه الولاية، كان يفرض المبادرة لهذه الخطوة للتصدي للفساد وجميع الممارسات التي تسيء إلى المهنة.
وكشف روبيح أن ودائع المحامية المتهمة بلغت 3 ملايير سنتيم في سنة 2023، ونفس الرقم في سنة 2024، في حين تجاوز حجم الودائع مع بداية سنة 2025 ما قدره 8 ملايين درهم.
وقال النقيب روبيح، في الجلسة التي شهدت حضورًا كبيرًا لأصحاب البذلة السوداء: “لن نتسامح مع الفاسدين وكل من يسيء إلى المهنة على حساب زملائه”. وأضاف: “هناك محامون يعيشون في الظل بكرامة وعزّة نفس، ومنهم من انسحب من المهنة أو صار مستخدمًا لدى الغير أو انتحر بسبب تراكم الديون والوضع الاجتماعي المزري”.
وأضاف: “نرفض في عاصمة المغرب أن يكون الفساد مستشريًا في أي جهة، فبالأحرى أن يكون في ذواتنا كمحامين”. وتابع: “أنا حزين جدًا لأن زميلة معتقلة، لكن أكثر حزنًا وأنا أرى عشرات المحامين يعانون في صمت بسبب مثل هذه الممارسات”.
وقال روبيح إن الهيئة توصلت بعشرات الشكاوى من موكّلين للمحامية، وأضاف: “لقد تنصّبنا كطرف مدني لأننا نرفض المصالحة مع الفساد، مادام الأمر يتعلق، في هذا الملف، بعمل بنيوي وليس بخطأ غير مقصود يمكن لأي محامٍ أن يقع فيه”.
يُذكر أن المتهمين في هذه القضية قد أنكروا أمام القاضي الوقائع المنسوبة إليهم وتصريحاتهم الواردة في محاضر الفرقة الوطنية.
وكانت مؤسسات التأمين قد قررت رسميًا الدخول على خط هذه القضية، بعد توصلها إلى معطيات دقيقة تفيد بأن عددًا كبيرًا من الملفات التي عالجتها خلال السنوات الأخيرة تضمّن شواهد طبية مزيفة أو مبالغًا فيها، أُنجزت لفائدة ضحايا حوادث سير دون أن يكون لهم الحق في التعويض، أو استنادًا إلى معطيات غير حقيقية حول نسب العجز الجسدي.
وكشفت اعترافات أحد الوسطاء المعروفين بلقب “الروبيو”، تفاصيل شبكة متشعبة كانت تشتغل بطريقة منظمة، مستفيدة من تواطؤ موظفين في المستشفيات، وحراس أمن خاص، وسائقي سيارات إسعاف، لتوجيه ضحايا الحوادث نحو محامين وأطباء محددين مقابل عمولات.
العملية كانت تبدأ مباشرة بعد وقوع الحادث، حيث يُستدرج الضحية إلى مسار محدد منذ لحظة دخوله المستشفى، ليمر لاحقًا عبر مسطرة “موجهة”، يتم فيها إنجاز شهادة طبية غالبًا ما تتضمن نسب عجز مبالغًا فيها أو غير واقعية، قبل إحالة الملف على القضاء بغرض الحصول على تعويضات مالية ضخمة من شركات التأمين.
وكانت هيئة المحامين بالرباط قد بادرت، في وقت سابق، إلى تنصيب نفسها طرفًا مدنيًا في هذا الملف، نظرًا لما اعتبرته مسًّا بمصداقية المهنة وتشويهًا لصورة المحامي، خصوصًا بعد تورط محامية تنتمي إلى الهيئة، مما أضفى على القضية بعدًا مهنيًا وأخلاقيًا، إلى جانب طابعها الجنائي.







