في عام 2018، نشرت مقالاً بعنوان: “لماذا تفشل برامج التنمية البشرية بالمغرب؟” تناولت فيه مجموعة من الاختلالات البنيوية التي كانت – ولا تزال – تعيق تحقيق الأهداف المعلنة لهذه البرامج. واليوم، وبعد أكثر من سبع سنوات، لا تظهر أي مؤشرات حقيقية على التغيير الإيجابي. بل على العكس، فإن تلك الأعطاب المؤسسية أصبحت أكثر تجذراً، تُعاد إنتاجها مع كل دورة حكومية أو مخطط تنموي جديد، تحت عناوين جديدة وخطابات رسمية متفائلة لا تجد صدى لها على أرض الواقع.
اليوم، ورغم استمرار المغرب في تسطير برامج جديدة، فقد تكرس هذا الفشل في تقرير التنمية البشرية لسنة 2025 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث احتل المغرب المرتبة 120 عالمياً من أصل 193 دولة، وهو تصنيف يُجسد بوضوح تعثر السياسات الاجتماعية والاقتصادية، خاصة في محاور رئيسية مثل التعليم، الصحة، الفقر، والبطالة. الإشارة إلى فشل برامج التنمية البشرية لا تعني فقط تعثر المغرب في مؤشرات التصنيفات الدولية، بل إن لها كلفة اقتصادية مباشرة تُثقل كاهل البلاد. فالمبالغ الطائلة التي تُرصد لتمويل هذه البرامج، والتي تعتمد إلى حد كبير على القروض الخارجية، ساهمت في رفع نسبة الدين العمومي إلى مستويات غير مسبوقة. فبدلاً من أن تُستثمر هذه المبالغ في قطاعات مُنتجة تُقلل من الاعتماد على التمويل الخارجي، يتم توجيهها نحو مشاريع ارتجالية أو فاشلة، مما يعمّق الأزمة المالية ويُضيّق هامش المناورة أمام السياسات الاقتصادية والاجتماعية في المستقبل.
خمسة عوائق بنيوية مترابطة… منظومة تنتج الفشل لا الإصلاح
إن فشل برامج التنمية البشرية في المغرب ليس نتيجة لتقصير ظرفي أو نقص في التمويل فحسب، بل هو في الأساس نتاج بنية معطوبة ومعقدة، حيث تتشابك خمسة عوائق رئيسية بعضها مع بعض، فتشكل منظومة مغلقة تعيد إنتاج الفشل بشكل دوري. تعمل هذه العوائق مجتمعة كـ”نظام مقاوم للإصلاح”، حيث يؤدي كل عائق إلى تغذية الآخر، مما يُنتج منظومة من الفشل البنيوي، ولا يُمكن لأي إصلاح أن يحقق التغيير الجذري المطلوب ما لم يتم التعامل مع هذه العوائق بشكل شامل. كل عائق لا يُؤثر فقط على القطاع المعني به، بل يمتد تأثيره ليؤثر على جوانب أخرى من منظومة التنمية، ما يجعل أي محاولة للإصلاح بمثابة ترميم سطحي بعيدة عن تحقيق التنمية المستدامة.
ضعف البنية الإدارية وغياب الحكامة الفعالة
تُعد الإدارة المغربية الأداة المحورية لتنفيذ السياسات التنموية، غير أنها تعاني من ترهل هيكلي عميق يطال مختلف مستوياتها، ويُفرز اختلالات مزمنة في الأداء والفعالية. تتجلى أبرز مظاهر هذا الخلل في ضعف الكفاءات الإدارية، غياب التكوين المستمر، البطء في اتخاذ القرار، وتعقيد المساطر، ما يؤدي إلى تعطيل البرامج وإفشال المشاريع في مراحلها الأولى. وبدل أن تكون الإدارة محركًا للتنمية، تتحول في كثير من الأحيان إلى عبء يُعيق دينامية الإصلاح ويُبدد الفرص. ما يُعمق هذا العجز البنيوي هو غياب حكامة حقيقية بمضامينها الثلاثة: حكامة في هندسة وتصميم البرامج التنموية، حكامة في تنفيذها، وحكامة في تقييمها وتتبعها. هذه الأبعاد تُهمل أو تُمارَس بشكل شكلي، فتتحول البرامج إلى شعارات تفتقد الفعالية والتأثير على أرض الواقع.
ورغم التنبيهات المتكررة الواردة في الخطب الملكية حول مكامن الخلل داخل المنظومة الإدارية، ورغم ما أظهرته تقارير مؤسسات الحكامة الوطنية كالمجلس الأعلى للحسابات، ومراكز التفكير المستقلة، فضلًا عن تقارير المنظمات الدولية كـمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، فإن الإصلاح الإداري ظل رهين الخطابات دون الانتقال إلى قرارات بنيوية جريئة. وقد أكدت تقارير هذه المنظمات أن ضعف الشفافية، غياب التقييم المنتظم، وانعدام التنسيق بين القطاعات تُعيق بشكل مباشر فعالية السياسات العمومية وبرامج التنمية البشرية بالمغرب.
في ضوء هذا الواقع، تبدو الحكومة الحالية غير قادرة – أو غير راغبة – في امتلاك الشجاعة السياسية الكافية لمواجهة هذه الإشكالات البنيوية بعمق. فاستمرارها في إعادة إنتاج نفس آليات التدبير التقليدية، وتجاهلها لدعوات الإصلاح الجوهري، يُفضي إلى إعادة تدوير الفشل ذاته. وفي هذا السياق، يصبح أي تمويل، مهما بلغ حجمه، وأي برنامج، مهما بدا طموحًا، معرضًا للهدر أو التحريف، إذا لم يُواكب بإصلاح إداري جذري يضع الحكامة الفعلية في صميم عملية التنمية.
الفساد في المغرب: تجلٍ بنيوي لمنظومة معطوبة
لم يعد الفساد في المغرب مجرد انحراف سلوكي أو اختلال عرضي، بل أصبح مكوّنًا هيكليًا متجذرًا في منظومة تدبير الشأن العام، يتغذى من هشاشة المؤسسات، ويعيد إنتاج الفشل بشكل ممنهج. فغياب آليات المراقبة الفعّالة والمحاسبة الجدية حوّل المشاريع التنموية إلى أدوات للإثراء الشخصي، حيث تُوزّع الصفقات والمنافع وفق اعتبارات زبونية لا تُراعي لا الجدوى الاجتماعية ولا المردودية الاقتصادية. والنتيجة: مشاريع مغشوشة أو غير مكتملة، وتكلفة مالية باهظة بلا أثر ملموس، تُعمّق عجز الميزانية وتُفاقم المديونية العامة.
فلفساد بتجلياته الحالية هو نتيجة مباشرة لضعف الإدارة العمومية التي تعاني من ترهل هيكلي مزمن، وغياب الكفاءات، وتعقيد في المساطر، ما يجعلها عاجزة عن ضبط التجاوزات أو محاربتها. في هذا السياق، تتحول الإدارة من أداة لتحقيق التنمية إلى قناة مفعّلة لنزيف الموارد، في ظل انعدام الشفافية، وضعف التتبع، وغياب الحكامة الفعالة في التقييم والتنفيذ. وتتعمق هذه الأزمة أكثر بفعل التسييس المفرط للسياسات العمومية، حيث تتحول المناصب والمسؤوليات إلى أدوات للولاء الحزبي بدل أن تكون مجالاً للتنافس على أساس الكفاءة. وهكذا يفقد القرار العمومي طابعه المؤسساتي ويتحول إلى أداة لتعزيز النفوذ السياسي، مما يُنتج سياسات ظرفية لا تراكم ولا تستمر، بل تكرّس مناخًا يسمح بترسخ الفساد وإضفاء حماية سياسية عليه.
وفي هذا السياق ، تُظهر التقارير الوطنية والدولية مؤشرات مقلقة. فقد أوردت منظمة الشفافية الدولية في تقريرها لعام 2024 أن المغرب حصل على 37 نقطة من أصل 100 في مؤشر إدراك الفساد، ليحتل المرتبة 99 عالميًا من أصل 180 دولة، مسجلًا تراجعًا بنقطتين عن سنة 2023. كما كشفت الوكالة الاقتصادية “Ecofin” أن الفساد يُكلف الاقتصاد المغربي سنويًا حوالي 5.09 مليار دولار، أي ما بين 3.5% إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يمثل استنزافًا خطيرًا للثروة الوطنية ويُقوض فرص النمو والاستثمار والتنمية البشرية.
ففي ظل هذا المناخ المختل، تُصبح أدوات الرقابة والتقييم صورية، تُنتَج لتزيين تقارير الإنجاز لا لتصحيح المسارات. حين تُقصى الكفاءات، وتُهمّش المؤسسات المستقلة، وتُهاجَم تقارير الهيئات الدستورية بدافع “الحساسية السياسية”، تضيع فرص الإصلاح، ويترسخ شعور جماعي بانعدام الجدوى. ومع غياب الشفافية، وتكريس الإفلات من العقاب، يتحول الفشل الإداري والسياسي إلى قاعدة وليس استثناء، ويتكرس الفساد ليس كحالة عرضية، بل كنظام إنتاج يومي للفشل. بذلك، لا يعود الفساد مجرد عائق تنموي، بل يصبح قوة مضادة تُفكك أسس الثقة في الدولة، وتُفرغ أي مشروع إصلاحي من مضمونه، وتُحوّل التنمية إلى شعار بلا مضمون.
التسييس المفرط للسياسات العمومية: حين تُختزل التنمية في لعبة المصالح
في السياق المغربي الحالي، يُعد التسييس المفرط للسياسات العمومية أحد أبرز العوائق البنيوية التي تُفرغ الفعل التنموي من مضمونه. فكثيرًا ما تُصاغ البرامج والمشاريع العمومية ليس استنادًا إلى دراسات علمية أو تشخيصات ميدانية دقيقة، بل وفقًا لأجندات انتخابية وحسابات حزبية ضيقة، تُحوّل التنمية إلى أداة دعائية تُستغل لضمان الولاء السياسي وتعزيز النفوذ، بدل أن تكون وسيلة لمعالجة الفقر والتهميش والاختلالات المجالية. ولا يشتغل هذا التسييس معزول، بل يتقاطع بنيويًا مع باقي أعطاب المنظومة، ليُنتج شبكة مقاومة لأي إصلاح حقيقي. فحين تُمنح المناصب وتُنفذ المشاريع بناءً على منطق الولاء الحزبي بدل الكفاءة، تتسرب الزبونية والفساد إلى دواليب القرار، وتُفرغ الإدارة من دورها التقني المحايد، مما يُضعف الاستقرار المؤسساتي ويُشوّه مسار التخطيط الاستراتيجي. وتُستبدل الرؤية بعيدة المدى بحلول ظرفية وسريعة، هدفها الأساس تحقيق مكاسب انتخابية لا الاستجابة الفعلية لحاجيات المواطن. ولا يقتصر التسييس على البرامج التنموية فحسب، بل يمتد ليطال تدبير القطاعات الوزارية المُسندة إلى الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة.
ففي كثير من الحالات، تُدار هذه القطاعات بمنطق الولاء الحزبي الضيق لا بروح المسؤولية الوطنية، حيث تُوظف المناصب والموارد لخدمة أجندة الحزب بدل أولويات الدولة. ويتحول بذلك القطاع إلى مجال لتوزيع الامتيازات على المقربين، وتكريس شبكة ولاءات حزبية، ما يُفرغ العمل العمومي من جوهره، ويُقوض مبدأ المرفق العام كخدمة تُقدم لجميع المواطنين دون تمييز. الأخطر من ذلك، أن هذا التسييس يُقوّض ثقافة النقد والمساءلة. فكل اعتراض موضوعي أو تقييم مستقل يُؤوّل كتهديد سياسي، فتُقصى الأصوات الحرة، ويُفرّغ النقاش العمومي من مضمونه التقويمي، مما يُكرّس الفشل بدل معالجته.
وهكذا، تتحول السياسات العمومية إلى شعارات تُرفع في الحملات الانتخابية أو المناسبات الرسمية، دون أن تترجم إلى رؤى تراكمية أو حلول مستدامة. وقد سبق لمؤسسات الحكامة، وعلى رأسها بنك المغرب، أن نبهت إلى مخاطر تسييس برامج التنمية البشرية، خاصة خلال الفترات الانتخابية. إلا أن الإشكال لا يقتصر على صياغة البرامج، بل يمتد إلى تنفيذها، حيث تُمنح الصفقات والمشاريع لأشخاص مقربين من أحزاب الأغلبية، ما يُقوض مبدأ تكافؤ الفرص ويُعيد إنتاج منطق الريع. بل إن حتى تقييم هذه البرامج لا يسلم من التسييس، إذ يُوظف لتلميع صورة الفاعل السياسي عوض أن يُشكل أداة لتصحيح المسار وضمان فعالية الأداء العمومي.
الارتجال في التخطيط وضعف الدراسات الميدانية: سياسات بلا جذور واقعية
من بين أبرز العوائق التي تكبّل المسار التنموي في المغرب، يبرز الارتجال في التخطيط والتسرع في اتخاذ القرار كأحد المظاهر الأكثر تجليًا للفشل المؤسساتي. فبدل أن تُبنى البرامج والسياسات على تشخيصات دقيقة، مبنية على معطيات ميدانية ومقاربات تشاركية، نجد أنفسنا أمام قرارات فوقية، سريعة، وموسمية، تُتخذ في الغالب تحت وقع ضغط خارجي أو ظرف داخلي طارئ، لا في إطار رؤية استراتيجية متماسكة.
كثير من السياسات يتم الإعلان عنها كرد فعل على تقارير دولية صادمة (مثل تلك الصادرة عن البنك الدولي أو الأمم المتحدة)، أو استجابة لـغضبات ملكية تعبّر عن استياء من بطء الإنجاز أو سوء التسيير كما هو الحال في برنامج تعميم التغطية الصحية، أو تحت ضغط احتجاجات شعبية فجائية. ورغم أن هذه الدوافع قد تكون مشروعة من حيث المبدأ، إلا أن ما يعوق فعاليتها هو طريقة التفاعل معها. بل إن ما يزيد الطابع العبثي لهذه السياسات هو غياب التقييم المؤسساتي الصارم، حيث لا تخضع المشاريع للمراجعة أو التقويم بعد تنفيذها، وإنما يُعاد إنتاجها لاحقًا تحت أسماء جديدة، وبشعارات أكثر بريقًا، دون الاعتراف بفشل النسخ السابقة أو استخلاص الدروس منها. وهكذا، تتراكم الوثائق والاستراتيجيات الورقية، وتُستبدل كل بضع سنوات دون أي تراكم معرفي أو تقني فعلي، فتفقد السياسات بعدها الزمني، وتتحول الدولة إلى ماكينة تُنتج التخطيط لأجل التخطيط.
أما على مستوى الأثر، فإن المواطن – وهو الهدف المفترض لكل سياسة عمومية – يُدرك تدريجيًا أن هذه المشاريع لا تحاكي واقعه، ولا تحل مشاكله، ولا تُحسِّن شروط عيشه. فيتآكل رصيده من الثقة في المؤسسات، ويترسخ لديه انطباع بأن الدولة تُدير التنمية كحالة طارئة، لا كمشروع مجتمعي مستدام. والأخطر أن هذا النمط من التدبير يُقوض أساسًا فكرة التخطيط الاستراتيجي، ويُفرغه من محتواه، فيتحول إلى مجرد “وثيقة تقنية” تُستخدم لإقناع المانحين، أو تبرير التمويلات، أو احتواء الغضب الاجتماعي، لا كمرجعية موجهة للقرار العمومي. ومع تكرار الفشل وتراكم الإحباط، تدخل الدولة في حلقة مفرغة: ردود فعل مستعجلة تُنتج مشاريع غير فعالة، تؤدي إلى مزيد من فقدان الثقة، فتزداد الضغوط، وتُتخذ قرارات أكثر ارتجالية.
غياب ثقافة النقد والحوار البنّاء: إقصاء العقول وتحصين الفشل
في أي بيئة تنموية سليمة، يُفترض أن يكون النقد البناء والحوار العمومي الهادئ جزءًا من آليات الاشتغال الطبيعي للدولة والمجتمع. ذلك أن السياسات العمومية، مهما كانت نواياها أو أهدافها، تظل معرضة للخطأ والانحراف، ولا يمكن تصويبها إلا من خلال مساءلة حقيقية تُمارَس من قبل الفاعلين المدنيين، والمراكز البحثية، والإعلام، بل وحتى من داخل المؤسسات نفسها. غير أن المشهد المغربي، في ظل نهج الحكومة الحالية على وجه التحديد، يُظهر ميلاً متزايدًا إلى التضييق على هذه المساحات. إذ يُنظر إلى النقد – حتى وإن كان مؤسسًا وموضوعيًا – بعين الريبة والتوجس، وكل ملاحظة تحليلية أو تقييم مستقل يتم التعامل معها وكأنها هجوم سياسي أو محاولة للنيل من “الإنجازات”.
هذه الذهنية الدفاعية التي تتبناها الحكومة الحالية تُعطل آليات التقويم الديمقراطي وتُفرغ النقاش العمومي من مضمونه، مما يؤدي إلى إضعاف أدوار المجتمع المدني والباحثين والإعلام، وتكريس أجواء من الانغلاق المؤسساتي. بل إن الأمر يطال حتى مؤسسات الحكامة نفسها، التي لطالما شكلت صمام أمان لتوجيه السياسات وتصحيح اختلالاتها. فقد أصبح من المألوف أن تُقابل تقارير مؤسسات مثل المجلس الأعلى للحسابات، وبنك المغرب، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي بالتشكيك أو الإهمال، لا لأنها تفتقر للمصداقية، بل لأنها تُحرج خطاب الإنجاز الذي تسوقه الحكومة.
لكن ما يُفاقم هذا الوضع أكثر هو الفراغ الذي يطبع النقاش العمومي حول البرامج التنموية الكبرى، وعلى رأسها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. فرغم كون هذه البرامج تُعد من بين أكبر المشاريع الاجتماعية التي عرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين، فإنها لم تُواكب بنقاش عمومي فعلي، ولا بتقييم جاد لنتائجها على أرض الواقع. تغيب الشفافية، وتغيب معها الأسئلة الكبرى: من المستفيد؟ ما هي النتائج الفعلية؟ لماذا يستمر الهدر رغم التمويل؟ في ظل هذا الغياب، تظل السياسات أسيرة منطق تقني مغلق أو دعاية سياسية لا تسمح بمحاسبة حقيقية.
ويُساهم في تكريس هذا الوضع الضعف الملحوظ في أداء الصحافة الوطنية ومراكز التفكير، التي يُفترض أن تكون منابر لتحليل السياسات وتنوير الرأي العام. جزء كبير من الإعلام يُكرس للرسائل الرسمية أو النقاشات السطحية، فيما تعاني مراكز التفكير من ضعف التمويل أو غياب الاستقلالية، مما يمنعها من الاضطلاع بأدوارها. أما المعارضة، التي يُفترض أن تُمارس دورها الرقابي بفعالية، فقد فقدت جزءًا من مصداقيتها لدى المواطنين، بسبب انجرار خطابها النقدي بدوره نحو منطق التسييس الحزبي الضيق، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات. بدل أن تشكل قوة اقتراحية، باتت تدخلاتها تقرأ من زاوية الصراع السياسي، مما يُفقدها التأثير ويُرسخ الانطباع العام بأن اللعبة السياسية لا تتجاوز سجالات موسمية بلا أثر فعلي.
نحو قطيعة حقيقية مع الفشل البنيوي
لعل طريقة تعاطي الحكومة الحالية مع برنامج دعم أضحية العيد تكشف بما لا يدع مجالاً للشك عن عمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها في مجال التنمية البشرية رغم غياب البعد الاستراتيجي لهدا البرنامج. فعلى الرغم من الطابع الاجتماعي الظاهري لهذا القرار، إلا أنه يعكس في جوهره كل الأعطاب التي تُقوّض أي سياسة عمومية فعالة. لقد جاء القرار بشكل مفاجئ، دون أدنى نقاش عمومي، أو دراسة ميدانية دقيقة تُحدد الفئات المستهدفة وآليات الدعم، مما يضعه ضمن خانة التدخلات الظرفية التي تُستثمر سياسياً أكثر مما تُبنى تنموياً. وما يزيد الوضع تعقيدًا هو رفض الحكومة الانفتاح على أي تحقيق جدي وشفاف في ظل الحديث عن اختلالات في تنفيذ هذا الدعم، مما يُكرّس منطق الإفلات من المحاسبة ويُعيد إنتاج الفشل بدل تحويل التجربة إلى فرصة للتقييم والتقويم. فالمشكلة لم تعد تتعلق بالتمويل أو النوايا، بل بأزمة بنيوية متشابكة تشمل الإدارة، والسياسة، والاقتصاد، وتسهم مجتمعة في إنتاج الفشل بشكل ممنهج.
إن ما يعيق التنمية البشرية في المغرب ليس مجرد غياب الموارد أو ضعف الجهود، بل هو غياب إرادة سياسية حقيقية تقطع مع ممارسات تسييس الملفات الاجتماعية، وغياب نماذج حكامة رشيدة ترتكز على الكفاءة والاستحقاق. فكل إصلاح يُبنى على أساس شعارات مرحلية، دون ربط المسؤولية بالمحاسبة أو بناء ثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع، يظل مجرد محاولة لتجميل الفشل لا معالجته.
ومن المحبط أن نقول إن إحدى النتائج غير المتوقعة لتوسيع صلاحيات الحكومة في أعقاب دستور 2011، كانت تعميق أزمة الحكامة بدل معالجتها. فقد تم استغلال هذا الهامش التنفيذي لتكريس منطق الزبونية وتوزيع المناصب بناءً على الولاءات الحزبية، لا على أساس الكفاءة والمصلحة العامة. وهكذا، وُضع الحصان أمام العربة، وتحولت السلطة التنفيذية إلى أداة لتقوية شبكات الولاء، بدل أن تكون رافعة لتصحيح مسار التنمية. ان الإصلاح الديمقراطي الحقيقي لا يتحقق عبر تبادل المواقع بين المؤسسات أو تناوب شكلي على السلطة، بل عبر قطيعة جذرية مع منطق الريع السياسي، وترسيخ نضج مؤسساتي يجعل من الكفاءة والنزاهة الشرط الوحيد لتحمّل المسؤولية. ولن يكون هناك أي أفق لتنمية بشرية حقيقية ما دامت الإدارة العمومية خاضعة لمنطق الولاء، لا لمبدأ الاستحقاق، وما دامت المحاسبة غائبة والمساءلة شكلية.
ويبقى السؤال الجوهري معلقًا بإلحاح: لماذا لا تتحسن برامج التنمية البشرية في المغرب؟ ولماذا لا تواكب هذه البرامج النجاحات التي يحققها المغرب في مجالات أخرى، من الريادة القارية في ملفات الهجرة والدبلوماسية، إلى التقدم في مشاريع الطاقة المتجددة وتحديث البنية التحتية؟ المفارقة لا يمكن تجاهلها: بلد يُراكم النجاحات في القوة الناعمة ويعزز حضوره الإقليمي والدولي، لكنه يعجز في المقابل عن إحداث تغيير ملموس في جودة التعليم، والرعاية الصحية، وفرص الشغل، ومستوى العيش اليومي للمواطنين. إن استمرار الخلل البنيوي في تدبير التنمية البشرية في المغرب يعكس حقيقة مرّة: الأزمة ليست أزمة موارد بل أزمة تصور وإرادة سياسية. رغم وجود بعض الموارد الموجهة للتنمية، إلا أن العقل السياسي الذي يدير هذه الملفات لا يزال محاصرًا بمنطق الريع والمحاصصات السياسية، حيث يتم تدبير البرامج الاجتماعية بعقلية انتخابوية ومرحلية، بدل أن يتم تبني رؤية استراتيجية شاملة قائمة على الكفاءة والعدالة الاجتماعية.
الواقع أن أكبر تهديد لمستقبل التنمية البشرية في المغرب اليوم يكمن في تعايش الدولة مع الفشل، بل وتدويره، بدل اتخاذ الإجراءات الحاسمة لاستئصاله. وعلى الرغم من الاستثمارات التي توجه لهذه البرامج، فإن العوائق التي تقف في طريق نجاحها أصبحت بنيوية، تتعلق بإشكاليات هيكلية في الحكامة والإدارة، فضلاً عن غياب الإرادة السياسية الحقيقية للتغيير.
وإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، فإن مؤشرات التنمية البشرية ستظل تراوح مكانها، حيث تظل السياسات الاجتماعية محكومة بمنطق ضيق، مما يعيق تحقيق التقدم الحقيقي في مختلف القطاعات.
ولهذا، فإن أي أفق تنموي حقيقي لا يمكن أن يُبنى على إعادة تغليف نفس الشعارات والبرامج، بل على إعادة صياغة العقل السياسي ذاته، واستبدال ثقافة الزبونية والولاءات بنخبة نزيهة وفعالة تضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار. فإما أن تكون التنمية البشرية أولوية فعلية تُقاس بالنتائج، لا بالخطابات، وإما أن يستمر الهدر الزمني والمؤسساتي، ويستمر معه نفس السؤال بعد سبع سنوات أخرى، ولكن بنبرة أكثر يأسًا وإحباطًا.
| رشيد الكشرادي
أستاذ باحث في تدبير الموارد البشرية والذكاء الاستراتيجي باحث بجامعة القاضي عياض بمراكش |







