يتداول الأساتذة الباحثون هذه الأيام عبر وسائل التواصل الاجتماعي صورة تجمع الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي مع الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي وكل الاتحاديين والاتحاديات في الجهاز التنفيذي للنقابة.
طبعًا من حق زعيم الحزب أن يلتقي بزعيم النقابة وباقي الإخوة والأخوات أينما شاء ووقتما شاء، ومن حق الاتحاديين والاتحاديات أعضاء المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي أن يجتمعوا في لمّة غذاء أو عشاء وقتما شاؤوا وعلى شرف من شاؤوا، ويلتقطوا صورة تخلد ذكرى اللمّة. غير أن نشر هذه الصورة في سياق وطني عنوانه البارز هو الاستعداد لانتخابات 2026، من الطبيعي أن يثير الكثير من الجدل داخل الرأي العام الجامعي ويفتح الباب على مصراعيه للقيل والقال وطرح الأسئلة ونسج التأويلات، خاصة وأن الصورة حمالة أوجه، وأبلغ من ألف كلمة كما يُقال.
دعونا نتأمل في الملاحظات والمعطيات التالية:
1- الصورة لا تتعلق باجتماع الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي مع أعضاء المكتب المركزي للفيدرالية الديمقراطية للشغل، الذراع النقابي للحزب. ولو كان الأمر كذلك لتجاهلنا الحدث.
2- المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي يتكون من 6 مكونات سياسية، والقانون الأساسي للنقابة ينص على أنها منظمة مستقلة تعمل باستقلال عن جميع المنظمات السياسية… أي ليست ذراعًا نقابيًا لأي حزب.
3- النقابة الوطنية للتعليم العالي لم تُعبّر عن موقفها من التطبيع في أي بيان أو بلاغ للأجهزة الوطنية، أو على لسان كاتبها الوطني، منذ المؤتمر الوطني 11 المنعقد بمراكش في أبريل 2018، رغم أن المغرب وقع رسميًا على التطبيع في ديسمبر 2020، ورغم ما يقوم به الكيان الصهيوني من إبادة جماعية ومجازر وحشية وتجويع وحصار وتهجير في حق الشعب الفلسطيني منذ 7 أكتوبر 2023.
4- المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي يتكون من 33 عضوًا/ة، منهم 11 فقط اتحاديون واتحاديات.
5- من ضمن المكونات السياسية الستة التي تشكل المكتب الوطني للنقابة، خمسة منها لها نفس الموقف من التطبيع، ألا وهو رفضه ومناهضته والمطالبة بإسقاطه. وهي مكونات سياسية تدعو وتشارك في المسيرات الشعبية المناهضة للتطبيع.
6- الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، إدريس لشكر، صرح مؤخرًا بشكل علني وواضح عن موقف الحزب من التطبيع، قائلاً “إن الذين يطلبون بإلغاء اتفاقات التطبيع بين المغرب وإسرائيل، يمارسون الابتزاز السياسي ويفتقدون إلى الرؤية الإستراتيجية”…
بناءً على هذه الملاحظات والمعطيات، ووقائع لا داعي لذكرها هنا (افتتاح المؤتمر الوطني 12 للنقابة الوطنية للتعليم العالي بكلية العلوم بالرباط…) من حق أي كان أن يطرح الأسئلة التالية:
أ- ما هي الرسالة التي يُراد إيصالها من خلال نشر الصورة التي تجمع الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي والكاتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي وباقي الاتحاديين والاتحاديات في الجهاز التنفيذي للنقابة، ونحن على أبواب 2026، تاريخ انتخابات حكومة المونديال؟
ب- هل النقابة الوطنية للتعليم العالي منظمة مستقلة كما تنص على ذلك المادة 2 من قانونها الأساسي أم أنها نقابة مُتحكم فيها، على الأقل فيما يتعلق بموقفها من التطبيع مع الكيان الصهيوني، كما هو موثق؟
ج- إذا كان من يتحكم في موقف النقابة من التطبيع من خارج هياكلها، ماذا عن مطالب السيدات والسادة الأساتذة الباحثين، والإصلاح البيداغوجي والقانون المنظم للتعليم العالي؟
في الختام، لا بُدّ من التذكير والتأكيد على أن النقابة الوطنية للتعليم العالي، المنظمة التقدمية وسليلة الحركة الوطنية، تتبنى منذ نشأتها موقفًا مبدئيًا وثابتًا وصريحًا ضد كافة أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني. وقد عبّرت عن ذلك في مؤتمراتها وفي بياناتها وبلاغاتها، مؤكدة رفضها القاطع لأي تعاون مع الكيان الصهيوني، خاصة في المجال الأكاديمي والعلمي. إلا أن هذا الرفض بات يكتنفه الغموض في السنوات الأخيرة، خاصة بعد المؤتمر الوطني 11 سنة 2018.
إن النقابة الوطنية للتعليم العالي ليست مطالبة فقط بإصدار بيان أو بلاغ أو تقديم تصريح من الكاتب الوطني ضد التطبيع، بل هي ملزمة انطلاقًا من المسؤولية الملقاة على عاتقها وأمام التاريخ بمواجهة اختراق مؤسسات التعليم العالي والتصدي للتغلغل الفكري والثقافي الصهيوني، الذي يُعدّ بوابة لتحريف التاريخ وتوجيه البحث العلمي بما يخدم مصالح الكيان الصهيوني وأجنداته، بل يشكل تهديدًا لاستقلالية الجامعة والهوية الوطنية.
من أجل ذلك، يجب على المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي بكل مكوناته أن يتحمل مسؤوليته التاريخية، وأن يعمل من أجل أن تسترجع المنظمة العتيدة هيبتها وقوتها واستقلاليتها لتلعب الدور المنوط بها في الدفاع عن الجامعة العمومية الجيدة والمنتجة وعن كرامة الأستاذ الباحث، وتواجه كل أشكال التطبيع وتتصدى للاختراق الصهيوني. إنه الأمل الذي لا يزال قائمًا رغم كل شيء.. الأمل الذي لن يتحقق إذا ما استمر الحال على ما هو عليه، وإذا لم تتعافى المكونات السياسية في النقابة الوطنية للتعليم العالي من مرض “تنظيمي ومن بعده الطوفان”.
كونوا أنتم الأمل الذي ينتظره الأساتذة الباحثون، وأعيدوا للنقابة وهجها وقوتها ومكانتها الطبيعية: “سلاحًا نضاليًا بيد المنخرطين، لا أداة طيّعة في يد المتحكمين.”







