“لا أعرف ما هي التهمة الموجهة إليّ، أنا عائلتي تعتمد عليّ، وفجأة أجد نفسي… على وشك أن أفقد كل شيء”.
بهذه الكلمات، وبالملابس السوداء، عبّر النائب محمد علي دعاس، الذي لا يزال يتمسك بمقعده في الجمعية البرلمانية لمدينة سبتة عن حزب “MDyC”، عن صدمته أمام القاضية ماريا تاردون من المحكمة الوطنية الإسبانية، في جلسة استماع بتاريخ 2 فبراير.
قبل ذلك بيومين فقط، اعتقلته عناصر من قسم الشؤون الداخلية في منزله ضمن إطار “عملية هاديس”. وتم إصدار أمر بالسجن الاحتياطي له وسبعة معتقلين آخرين، من بينهم اثنان من عناصر الحرس المدني يعملان في الوحدات المالية ومكافحة تهريب المخدرات.
رفعت المحكمة الوطنية الآن السرية التي كانت تغلف هذه العملية، وهي واحدة من أبرز عمليات مكافحة المخدرات التي قادها الحرس المدني، بالتعاون الوثيق مع الشؤون الداخلية، ووحدة الجريمة المنظمة (UCO) والمركز الإقليمي للتحليل والمخابرات ضد تهريب المخدرات (CRAIN).
عملاء سريون داخل عشّ الذئاب
أكدت مصادر أن ما لا يقل عن ثلاثة عملاء سريين نفذوا عمليات تحت هوية مزيفة، متسللين إلى قلب التنظيم الإجرامي لجمع الأدلة وتوثيق الجرائم، مما أدى إلى سلسلة من الاعتقالات بين يناير وأبريل الماضي.
إلى جانب الحارسين المدنيين المحتجزين احتياطياً، هناك عنصران آخران من الحرس قيد التحقيق دون اعتقال. تم استدعاء آخرهم منذ أسابيع قليلة.
استخدمت العملية تقنيات مراقبة متطورة تشمل أجهزة تتبع، نظام تحديد المواقع GPS في السيارات، مراقبة دائمة، وتركيب أجهزة صوتية للتنصت داخل المركبات ومحيطها، ضمن إجراءات سرية امتدت لعدة أشهر.
التحقيق منذ 2023 والاعتقالات في 2025
بدأت التحقيقات في 2023 بعد رصد مؤشرات على نشاط منظمة إجرامية تهرب المخدرات، ومرتبطة بجرائم رشوة وتسريب معلومات.
حصل مركز CRAIN على معلومات تم التحقق منها بالتعاون مع UCO. واتضح أن خلف هذه المنظمة، شبكة محكمة متمركزة في سبتة، ومدعومة ببنية تحتية في المغرب وروابط في البر الإسباني. وكشفت الحرس المدني أن التنظيم اشترى ولاء عناصر أمن، كما حظي بتواطؤ جمركيين مغاربة.
“هيكل فاسد”
كانت المخدرات تدخل من المغرب، وتُخبأ في شاحنات عبر مخازن مختلفة، وتُنقل لاحقًا باستخدام شاحنات مجهزة بصناديق سرية. حصلت الحرس المدني على أول خيط مهم حين تم توقيف سائق شاحنة من سبتة في يونيو 2023، كان بحوزته 1,977 كيلوغرامًا من الحشيش.
في 2024، تمكّن الشؤون الداخلية من التغلغل في التنظيم، باستخدام ثلاثة عملاء سريين، ورصدوا لقاءات داخل وخارج سبتة. وخلصت التحقيقات إلى وجود “هيكل فاسد” يتضمن عناصر أمنية تساعد في تهريب المخدرات، حيث تم تسهيل نقل شاحنة تحتوي على قرابة طنين من الحشيش إلى مستودع في ملقة، مما سرّع تنفيذ العملية.
تشير المعلومات إلى تورط نحو 20 شخصاً، من بينهم النائب محمد دعاس، وشقيقه وابن شقيقه. وتؤكد الحرس المدني أنهم سيطروا على شحن الحشيش من سبتة إلى إسبانيا، مع طموحات للتوسع إلى السوق الأوروبية.
أظهرت المحادثات التي رصدتها الحرس المدني أن العملية تضمنت دفع 20,000 يورو لرشوة عناصر أمن إسبان، لتسهيل مرور الشحنات. وأقر بعض المتورطين أن السلطات المغربية لا تسمح بمرور أكثر من 400 كجم شهريًا، نتيجة لتشديد الإجراءات.
تورط الحرس المدني
وفقًا للتحقيق، تم تسجيل لقاء في 8 ديسمبر 2024 بين النائب دعاس وأقاربه، ناقشوا فيه “شراء عناصر من الحرس المدني” بدفع 10,000 يورو. وقُسم المبلغ بين موظف سجون (هو شقيقه) والنائب نفسه.
وترى الحرس المدني أن النائب لعب دورًا “أساسيًا” في تمويل عملية تهريب 1,397 كجم من الحشيش التي تم ضبطها في ملقة، معتبرة أن لديه “أدلة عقلانية” تربطه بالأنشطة الإجرامية في 29 يناير 2025، وأنه ساهم في تنظيم العمليات ودفع التكاليف.
اعتقالات متسلسلة
في المرحلة الأولى من العملية، تم اعتقال 9 أشخاص، بينهم عنصران من الحرس المدني، والتحقيق مع عاشر دون اعتقال. أنكر المتهمون التهم خلال التحقيق، وأكدوا أن مصادر دخلهم مشروعة.
وصلت التحقيقات إلى ذروتها بعد اكتشاف نفق تهريب المخدرات، والذي تزامن مع ضبط أكثر من 3 أطنان من الحشيش في شاحنة محملة بجثث حيوانات في ديسمبر 2023 في ميناء الجزيرة الخضراء.
في 11 فبراير، اعتقل خمسة آخرون، وتم التحقيق مع أربعة إضافيين دون اعتقال. وخلال الأسابيع الأخيرة، تم اعتقال شخص آخر والتحقيق مع عنصر إضافي من الحرس المدني.
اكتشاف نفق التهريب بعد 2022
في 19 فبراير، عثرت الحرس المدني على نفق التهريب بالقرب من منطقة “تراجال” الصناعية في سبتة، حيث تأكد أنه بُني بعد عام 2022، ويمتد حتى الجانب المغربي من الحدود.
استُخدمت تقنيات متقدمة، مثل الرادار الأرضي والكاميرات تحت الأرض، لتحديد مسار النفق المغلق حاليًا. واجه الفريق صعوبات بسبب الأمطار الغزيرة التي أدت إلى فيضانات أعاقت التقدم في التحقيق.
كيف تم اكتشاف النفق؟
كان مدخل النفق مغطى بباب معدني تحته أكوام من الأنقاض. ويحتوي النفق على نظام إضاءة وكابلات تصريف للمياه. عُثر على أكياس بلاستيكية وألبسة مبللة، ما يشير إلى أنه كان قيد الاستخدام حتى وقت قريب.
يتراوح عرض النفق بين 70 سم وارتفاعه 1.20 متر، ومبطن بخشب ومزود بأنظمة تصريف. وخلال إحدى عمليات التفتيش، ملأ الدخان الناتج عن حرق أعشاب في الجانب المغربي الممر بالكامل، مما أكد ارتباطه المباشر بالأراضي المغربية.
آخر دخول للنفق تم في 5 مارس، حين اصطدمت الفرق بحواجز من الإسمنت المسلح، مما منعهم من مواصلة التقدم.
وقد أرسلت المحكمة الوطنية مذكرة رسمية إلى السلطات المغربية التي أرسلت فرقًا لتفتيش الموقع، وعثرت على النفق، دون أن تفصح عن الإجراءات التأديبية التي اتُخذت هناك.
عن “إل فارو دي سيتا”







