رغم أن عيد الأضحى هو في جوهره شعيرة دينية، إلا أنه في المغرب تحول إلى نظام اجتماعي-نفسي مركب، يصعب الفكاك منه دون تكلفة نفسية أو اجتماعية كبيرة. حتى قرار ملكي بإلغاء “النحر” هذه السنة، لأسباب موضوعية (الجفاف، غلاء الأسعار، تراجع القطيع الوطني..)، لم يستطع كسر هذا النسق الرمزي الراسخ. نحن أمام عادة ثقافية-نفسية-اجتماعية متجذرة ومتأصلة، لا تُفهم إلا ضمن تاريخ طويل من التراكم الرمزي والضغوط الاجتماعية والآليات النفسية العميقة.
في الأصل، كان العيد مناسبة للامتثال والاقتداء. لحظة رمزية تؤرخ لتجربة سيدنا إبراهيم في الامتحان الأعلى للتسليم، ولبُعد أخلاقي عميق في العلاقة بين الإنسان والإله والتضحية. لكن في الواقع المغربي، هذا المعنى تآكل وتراجع ببطء لصالح طقس اجتماعي منفصل عن مقصده، قائم بذاته، يُمارس كإجبار ناعم ( قهري إلى حد ما)، لا كاختيار واعٍ. والمفارقة أن كلما ازدادت الأزمات، ازداد الإقبال على هذا الطقس. لا لأن الناس أكثر تديّنًا، بل لأنهم أقل يقينا، وأكثر حاجة إلى “رموز” أو “طوْطم روحي” يمنحهم الاستقرار، حتى لو كان هشًّا ومؤقتا.
هنا يتدخل علم النفس الاجتماعي. فالعيد، كما نراه اليوم، يؤدي وظيفة “التبناج” أكثر من كونه طقسا تعبّديا. وفي ظل الأزمات المتتالية، من غلاء الأسعار إلى الجفاف إلى انسداد الأفق الاجتماعي، لا يجد المواطن ما يتمسك به سوى تكرار طقس يعرفه، يحسنه، ويضمن له شعورا – ولو زائفا – بالسيطرة على مجرى الحياة. كل ذلك تحت مبررات من قبيل “نديرو السُّنة” “وااا غير على وجه الدراري” ” كنتجمعو مكنتشاوفوش العام كامل”. هكذا تحول “التشنشيط” في العيد لكبير، من فعل ديني، الى آلية دفاع نفسي جماعي ضد اللايقين..وربما حتى ضد “اللامعنى” وضد “عبثية الحياة” برمتها.
وُيعرّف هذا النمط ضمن”سيكولوجية السلوك الجمعي” باللجوء الى الطقوس حين يشعر الناس أنهم فقدوا التحكم في الواقع. لماذا الطقوس ؟ لأنها قابلة للتكرار، محكومة، واضحة المعالم، فضلا عن توفيرها نوعا من “الاستقرار الرمزي”. وهكذا يصبح العيد – حتى بصيغته المشوّهة الحالية – لحظة وهم بالاستمرارية. لذلك نرى من يشتري اللحم أو الدوّارة، ويعتبر نفسه “عَيّد”، ومن يقترض، أو يقتطع من ضروريات الحياة فقط ليصنع صورة عيد تُرضي المحيط.
لكن الطقس لا يعمل وحده. المجتمع يشتغل بدوره. فعيد الأضحى، كما يُمارس اليوم، هو امتحان قاسٍ للانتماء الاجتماعي. من لم يُضحِّ، أو من لم يُظهر مظاهر العيد كما هي متوقعة، يُشعَر ضمنًا بأنه أقل من غيره.. أقل رجولة، أقل مسؤولية، أقل انتماءا، وربما “منبوذ”. هنا يظهر ما يسميه السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو “العنف الرمزي”، وهو حين تفرض الجماعة على الفرد أن يُمارس ما قد لا يقدر عليه، وتجعله يعتقد أن المشكلة فيه، لا في النظام الرمزي الذي يخنقه.
لا عجب إذن أن المغاربة، وهم يعلمون أن الظروف صعبة، يصرون على “العيد” حتى لو لم يعيدوا فعليا. لأن التخلي عنه ليس قرارا شخصيا، بل مخاطرة بالخروج عن النسق. في الأحياء الشعبية، يُسأل الناس قبل العيد “شريتو اللحم” وليس “هل ستضحي” . والجواب المتوقع هو أي شيء يشي بالتماهي مع الجماعة، لا بالاعتذار العقلاني. “آه شرينا خدينا غير الكبدة وشوية ديال الراس للتفوار”.
في هذا السياق، يتحول العيد من طقس ديني إلى دراما اجتماعية مصغرة، تتقاطع فيها معاني الشرف والقدرة والكفاءة الأبوية. إنه اشبه ب ” ساحة المصارعة الرومانية” (الكولسيوم)، يُعرض فيها الفرد على مرآة الجماعة، ويُقاس بالعين المجردة.. هل علّق سْقيطة؟ هل فاحت رائحة الشواء؟ هل جاءت العائلة؟ هل لبس البلغة والفوقية أو الجلابة ؟ هل اشترى لاولاده الجديد؟ وهل استُهلكت الكلمات المنتظرة في تبادل التهاني؟ (تعيّد وتعاود..مبروك لعواشر.. تكوني حاجة باش متمنيتي يا ختي نتي ووليداتك).
وهكذا… يُعاد “تمثيل” العيد، عامًا بعد عام، كأننا نقاوم الحقيقة، لا نحتفل بها. الحقيقة أن الأمور تغيرت.. القدرة الشرائية تراجعت، القيم تبدلت، المفاهيم الدينية نفسها باتت موضوع مساءلة. لكن الطقس لا يزال صامدًا، يشتغل كمحرّك خفي، كواجب غير معلن، وكأننا جميعا نخشى أن نكون أول من يتوقف عن ممارسته.
والسؤال اليوم، ليس لماذا ما زال الناس “يُعيّدون” و “يشنشطون”؟ بل ماذا يخسر المجتمع لو توقف عن العيد؟ والجواب مخيف، قد يشعر أنه خسر هويته، أو على الأقل، مرآتها الجماعية. ففي غياب مشاريع كبرى تجمع الناس، وفي ظل انكماش الدولة الاجتماعية، يصبح الطقس آخر ما تبقى من “الوحدة الرمزية”. وحتى لو كان ذلك عبر شراء لحم من المجازر أو أسواق الجملة، فالمهم أن تمرّ المناسبة دون أن يشعر الفرد أنه عالق في الهامش الرمزي.
في نهاية المطاف، لا يُذبح الخروف في العيد، بل نَذبح نحن جماعيا القدرة على التفكير النقدي في طقوسنا، ونلوذ بـ “الضلعة” و”الدوّارة” من أسئلة المعنى، إرضاء للحولي الذي فينا !!!







