في خضمّ الأزمة الغذائية العالمية، برز المغرب كأحد أهم الفاعلين في سوق الأسمدة، مُمسكا بمفتاح من مفاتيح الزراعة الحديثة “الفوسفاط”. وبينما تتوالى اتفاقيات مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط مع حكومات من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، من أجل تأمين إنتاجها الفلاحي، يبدو مشهد آخر في الداخل المغربي صادما : غلاء غير مفهموم في أسعار المنتجات الفلاحية، مائدة فارغة، تبعية غذائية مقلقة، وواقع فلاحي هش، تُعريه كل أزمة مطر أو ارتفاع في أسعار الحبوب.
في هذا التحقيق، تستعرض “نيشان” مفارقة مغربية حادة، في محاولة للإجابة عن سؤال كيف يُمكن لبلد يملك 72% من احتياطي الفوسفاط العالمي، أن يفشل في تأمين قوته اليومي؟ ولماذا تتحوّل أرباح مليارية إلى مصانع في الخارج، بينما يعاني الفلاحة المغربي من الجفاف وغياب المردودية، وهزالة الإنتاج الموجه للاستهلاك الداخلي، فضلا عن رداءة جودته.
خريطة كنز عالمي.. من خريبكة إلى بوكراع
يمتد الشريط الفوسفاطي المغربي من خريبكة إلى اليوسفية، وصولا إلى بوكراع في الصحراء المغربية. هذا الشريط لا يحمل قيمة جغرافية فقط، بل يُعد أحد أغنى السلاسل الجيولوجية في العالم. حسب الهيئة الأمريكية للمسح الجيولوجي (USGS) لسنة 2023، يملك المغرب أكثر من 72٪ من الاحتياطي العالمي المؤكد، بما يعادل 50 مليار طن.

لكن الفوسفاط ليس فقط مادة خام، بل هو حجر زاوية في إنتاج الأسمدة الفوسفاطية، التي تُغذي الزراعة الحديثة. وتقدّر السوق العالمية للأسمدة بأكثر من 60 مليار دولار سنويا، ويحتل المغرب مكانة ضمن الثلاثي الذهبي، إلى جانب الصين والولايات المتحدة.
“نحن لا نصدر الفوسفاط، نحن نصدر الغذاء العالمي”، يقول “أيوب مرير” الفاعل والخبير في المجال البيئي، مؤكدا أن المغرب يتحكم اليوم في إيقاع الزراعة العالمية.
“أو سي بي”.. قصة عملاق بوجه عالمي، وسؤال محلي مؤجل
تأسست مجموعة OCP سنة 1920، وتم تأميمها بعد الاستقلال، لتتحول تدريجيا إلى واحد من أقوى التكتلات الصناعية في إفريقيا. في سنة 2022، بلغت إيراداتها حوالي 114.6 مليار درهم، بزيادة 54% عن السنة السابقة. وحققت أرباحا صافية ناهزت 28 مليار درهم.

منذ 2012، أطلقت المجموعة خطة توسع استثمارية تفوق 200 مليار درهم، لبناء مصانع تحويل، وخطوط أنابيب، وتوسيع موانئ، بالإضافة إلى استثمارات في نيجيريا والبرازيل والهند وإثيوبيا.
لكن خلف هذه الإنجازات، تطفو أسئلة ملحة لم يُجب عنها بعد، “أين ينعكس هذا الغنى الفوسفاطي على حياة المغاربة؟ وهل يمكن تحويل عائدات الفوسفاط إلى رافعة حقيقية للسيادة الغذائية؟
يقول الخبير البيئي أيوب مرير، في تصريح لموقع “نيشان“: “نحن أمام نموذج اقتصادي يستنزف الموارد المائية والتربة لصالح زراعات موجهة للتصدير، بينما تتراجع أولويات السيادة الغذائية. المطلوب ليس فقط إعادة النظر في المخططات الفلاحية، بل تبني منطق العدالة البيئية، وربط الأمن الغذائي بحماية النظم الإيكولوجية المحلية”.
ويضيف “مرير” أن “الفرصة مواتية الآن لإطلاق صندوق سيادي خاص بالأمن الغذائي، تموّله الأرباح السنوية لمجموعة OCP، بنسبة محددة لا تقل عن 10%، على أن يُخصص لدعم الزراعات الأساسية، وتمويل وحدات التحلية والري الموضعي، وتوفير الحماية الاجتماعية للفلاحين الصغار”.
من جهته يشدد “هشام لمرباط” الباحث في السياسات العمومية بجامعة محمد الخامس في الرباط، على أن “الخلل يكمن في غياب التقاطع بين الرؤية الاقتصادية والسياسات الاجتماعية. ما نلاحظه اليوم هو هيمنة منطق المؤسسة الربحية على حساب الدور اللذي يتوجب الاضطلاع به على المستوى الداخلي. حين تشتغل OCP كشركة عابرة للقارات وتغيب آليات تحويل أرباحها لخدمة الداخل، نكون إزاء خلل بنيوي يجب تصحيحه بتدخل تشريعي واضح”.
ويتابع لمرباط قائلا “هناك حاجة لإرساء إطار قانوني ملزم يفرض مساهمة تضامنية سنوية من أرباح المؤسسات العمومية الكبرى في صناديق موجهة للأولويات الاستراتيجية، على رأسها الأمن الغذائي والمائي. بدون هذا التمفصل بين الثروة والسيادة، سنظل رهائن للتقلبات الدولية مهما بلغت عائداتنا من الفوسفاط أو غيره”.
ويجمع الخبراء الذين تواصل معهم موقع “نيشان” على ضرورة الانتقال من منطق الترويج الدولي لصورة المغرب كفاعل في الأمن الغذائي العالمي، إلى تبني سياسات عمومية تجعل من هذه الريادة أداة لحماية المائدة المغربية أولا، عبر إعادة هيكلة الدعم، وتحقيق العدالة المجالية، وتحفيز الابتكار الزراعي المحلي.
ويشير البعض أيضا إلى ضرورة مراجعة أولويات الشراكات الدولية لمجموعة OCP، لضمان أن تكون هذه الاستثمارات الخارجية متوازنة مع استثمارات داخلية تعزز من صمود القطاع الفلاحي الوطني، وخصوصًا في وجه التغير المناخي وشح الموارد المائية.
مائدة في مهبّ الخارج.. حين يُستورد الخبز بالدولار
في موسم 2022-2023، استورد المغرب 18.4 مليون قنطار من القمح اللين، بينما لم يتجاوز الإنتاج الوطني 30 مليون قنطار. وهو ما يجعل أكثر من نصف حاجيات المغاربة الغذائية تحت رحمة الخارج.
تأتي أوكرانيا وروسيا وفرنسا ورومانيا على رأس قائمة المزودين. وقد كلّف دعم القمح الدولة 10 مليارات درهم سنة 2022، وفق مصدر حكومي مطلع رفض كشف هويته.
“هذا النموذج مكلف، ويُفاقم التبعية الغذائية. لا يعكس أي شكل من أشكال السيادة”، يضيف المصدر.

المخطط الأخضر.. نجاح في التصدير وإخفاق في تأمين السيادة الغذائية
في 2008، أطلقت الحكومة على عهد وزير الفلاحة الاسبق ورئيس الحكومة الحالي “عزيز أخنوش”، ما سُمي بـ”مخطط المغرب الأخضر”، وكان من بين أهدافه تحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة. بعد 15 سنة، تحققت قفزات واضحة في قطاعات البواكر والفواكه الحمراء المُوجهة للتصدير (نمو بـ75%)، لكن إنتاج الحبوب بقي رهين المطر، ولم تتجاوز نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح 35% في 2023.
حسب المجلس الأعلى للحسابات، لم تتجاوز نسبة استفادة الفلاحين الصغار من المخطط 15%. فالنموذج ظل موجهًا نحو كبار المستثمرين.
الشفافية الغائبة.. من يقرر مصير أرباح الفوسفاط؟
رغم الأرباح الضخمة التي تحققها OCP، لا توجد آلية رقابة برلمانية شفافة تضمن تحويل جزء من هذه العائدات لدعم الأمن الغذائي الوطني أو إنشاء مشاريع الري والتحلية أو دعم الفلاح الصغير.
“لا أحد يعرف كيف تُصرف هذه الأرباح، ولا تُدرج في الميزانية العامة، هناك غموض واضح في الحكامة”، تقول المصادر.
يكفي أن نعلم أن، تكلفة وحدة تحلية بطاقة 100 ألف متر مكعب يوميًا تقارب 800 مليون درهم. فيما دعم 100 ألف فلاح صغير سنويًا لا يتطلب سوى أقل من 5% من أرباح OCP.لكن، لا مؤشرات واضحة على توجه هذه الأرباح نحو الداخل.

الجغرافيا الأخلاقية للفوسفاط.. من يزرع لنا؟ ولمن نزرع؟
بينما تُستخدم الأسمدة المغربية لزراعة الحبوب في كندا والهند، يُخصص جزء كبير من الأراضي الزراعية في سوس والغرب لزراعة الطماطم والبطيخ المُصدرَين لأوروبا.
“نستنزف المياه لتصدير الطماطم، ونستورد القمح بالدولار. هذا النموذج غير مستدام أخلاقياً ولا بيئياً”، يقول الخبير البيئي “أيوب مرير” مضيفا أن “الفرشات المائية في سوس ودرعة تتهددها أزمة عطش مستمرة، في وقت تُروى فيه مزروعات للتصدير بأحدث التقنيات.”
من خيرات الأرض إلى سيادة الغذاء.. ما المطلوب؟
عدد من الخبراء والمختصين يقترحون جملة من الإجراءات لإعادة التوازن، وفي مقدمتها :
1- فرض مساهمة تضامنية سنوية من أرباح OCP لصندوق الأمن الغذائي.
2 – توجيه الدعم العمومي نحو الحبوب والزراعات الاستراتيجية بدل الزراعات التصديرية.
3 – مراجعة أولويات المخطط الفلاحي الجديد (الجيل الأخضر).
4 – ربط مشاريع الفوسفاط بالمشاريع المائية والزراعية الوطنية.

وفي ظل المعطيات السالفة، لا يعود الحديث عن الفوسفاط مجرد نقاش اقتصادي أو تقني، بل يتحول إلى سؤال وجودي يرتبط بموقع الدولة ووظيفتها، وبحق المجتمع المغربي في الاستفادة من ثرواته السيادية.
فأن تكون بلدا يملك 72% من احتياطي الفوسفاط العالمي، ويُعدّ فاعلاً استراتيجيا في تأمين الأمن الغذائي لكبرى الاقتصادات الناشئة، ثم تستورد الخبز وتدعم القمح وتترك الفلاح الصغير وحيدا في مواجهة الجفاف والتقلبات، فذلك ليس مجرد مفارقة. إنه خلل في الرؤية، وغياب في الإرادة، وانقطاع بين ما نملك وما نحتاج.
لقد بنت مجموعة OCP لنفسها حضورا عالميا يحظى بالثناء، لكنها لم تبنِ، حتى الآن، ما يكفي من الجسور نحو الداخل. أرباحٌ قياسية، واستثمارات خارجية ضخمة، وعقود تصدير تُوقَّع في أديس أبابا وأبوجا وريو دي جانيرو، في حين تظل مناطق مثل فكيك وزاكورة والراشيدية تئن تحت وطأة العطش، ويظل الاكتفاء الذاتي من القمح والشعير هدفا مؤجلا.







