مرة أخرى، تقرير جديد يكشف حقيقة أصبحت ملازمة للاقتصاد المغربي في عهد حكومة عزيز أخنوش. ارتفاع مقلق في منسوب المديونية الخارجية، وتنامي الاعتماد على الاقتراض لسد حاجيات ميزانية الدولة. هذه المرة، جاء التنبيه من “أفريكسيم بنك”، الذي صنّف المغرب في المرتبة الرابعة إفريقيا ضمن الدول الأكثر مديونية خارجية سنة 2023، بإجمالي يفوق 45 مليار دولار. لكنه رقم ليس مجرد ترتيب عابر في سلم المديونية، بل هو إنذار إضافي حول مسار اختيارات الحكومة في إدارة المال العام.
وفي مقابل تبريرات رسمية تتحدث عن “تمويل مشاريع استراتيجية كبرى” ضمنها مشاريع البنى التحتية المرتبطة باستعداد المغرب لاستضافة كاس العالم 2030، و”مواجهة الأزمات العالمية”، يرى خبراء اقتصاديون أن هذا المنطق لم يعد مقنعا أمام تفاقم مؤشرات العجز وتراجع قدرة الدولة على تعبئة مواردها الذاتية.
مصدر مطلع أكد لـ “نيشان” أن “الإشكال لا يتعلق فقط بحجم الدين، بل بطبيعة المشاريع التي يتم تمويلها والتي غالبًا ما تكون ذات أثر ضعيف على النمو وخلق مناصب الشغل”.
وأضاف المصدر ذاته أن “الحكومة الحالية اختارت الحل السهل، وهو اللجوء إلى الأسواق الدولية كلما ضاقت الخيارات أمامها، دون أن تفتح ملفات الإصلاح الجبائي أو مواجهة الامتيازات التي تستفيد منها فئات نافذة”.
الأرقام الصادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية نفسها تعزز هذا الطرح؛ فخدمة الدين الخارجي باتت تلتهم أزيد من 27% من مداخيل الدولة، مقابل 6.8% سنة 2008، وهو تطور مقلق يجعل من المغرب في وضع مالي هش أمام تقلبات الأسواق الدولية. ورغم محاولات الحكومة تسويق صورة التحكم في عجز الميزانية، إلا أن ذلك يتم، وفق ما يؤكده أكثر من خبير مالي، على حساب تراجع مخصصات الاستثمار الاجتماعي، وارتفاع الضغوط الضريبية غير المباشرة على الفئات المتوسطة والفقيرة.
وفي هذا السياق، قال محمد إدبلا، الأستاد الباحث في الاقتصاد السياسي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، إن “المعضلة الحقيقية ليست في الاستدانة في حد ذاتها، بل في غياب إصلاح هيكلي للمالية العمومية يعيد التوازن للموارد والنفقات”.
وأوضح إدبلا أن المغرب “ما يزال يعتمد على نموذج اقتصادي هش قائم على الاستهلاك والمديونية أكثر مما يعتمد على الإنتاج الحقيقي للثروة، مع استمرار استفادة قطاعات كاملة من إعفاءات وامتيازات ضريبية غير مبررة اقتصاديا”.
وأشار إدبلا إلى أن حكومة أخنوش ورغم ما تسوق له “تأخرت كثيرا في تنزيل إصلاح جبائي حقيقي يوسع الوعاء الضريبي ويحقق نوعًا من العدالة بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين”، معتبرا أن “الاختيارات الحالية ستؤدي في النهاية إلى مزيد من الارتهان للخارج، خاصة مع ارتفاع أسعار الفائدة في الأسواق الدولية، وهو ما يجعل كلفة الدين تتضاعف”.
كما أضاف المصدر ذاته أن “الاقتصاد المغربي بحاجة إلى تحرك سياسي شجاع لكسر الحلقة المفرغة بين الاستدانة وتمويل الإنفاق الجاري، عوض الاكتفاء بإجراءات ترقيعية قد توفر السيولة مؤقتًا لكنها لا تخلق نموا حقيقيا ولا تنعكس على حياة المواطنين”.
ما يزيد من خطورة هذا الوضع أن هذا الحجم من الديون لم ينعكس بشكل ملموس على تحسين مؤشرات التنمية البشرية. البطالة بين الشباب ما تزال في مستويات مرتفعة، الفوارق الاجتماعية تزداد، والقدرة الشرائية للطبقات المتوسطة تتآكل أمام موجات الغلاء المتتالية. ورغم توصيات مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، التي دعت المغرب مرارا إلى تعبئة موارده الداخلية وتقليص الاعتماد على الخارج، إلا أن الحكومة الحالية ما تزال تراهن على الاقتراض كخيار أساسي لتغطية عجز الميزانية.
وبينما تتحدث الحكومة عن مشاريع كبرى و”تحول هيكلي”، يطرح المتخصصون سؤالا بسيطا، أين هي ثمار هذه المشاريع في حياة المواطنين اليومية؟ بل أكثر من ذلك، هل نحن أمام مشاريع ذات جدوى اقتصادية فعلية أم مجرد أرقام تستعمل لتحسين صورة المغرب في تقارير المؤسسات الدولية دون أثر حقيقي على أرض الواقع.







