قدّم الحزب الاشتراكي الفرنسي مذكرة لحجب الثقة عن حكومة رئيس الوزراء فرانسوا بايرو، في خطوة تهدد بإسقاط الحكومة إذا انضمت أحزاب أخرى، خصوصًا حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، إلى هذا التوجه. في حال سقوط الحكومة، فإن فرنسا ستدخل مرحلة جديدة من التذبذب السياسي وعدم الاستقرار.
منذ إعادة فتح ملف إصلاح نظام التقاعد، كان بايرو يعلم أنه يواجه تحديًا سياسيًا محفوفًا بالمخاطر. وبعد تعيينه رئيسًا للحكومة، حاول تهدئة الغضب المتصاعد من اليسار واليمين المتطرف تجاه إصلاح التقاعد الذي تم تمريره في عام 2023، من خلال الإعلان عن تنظيم “اجتماع مغلق” لمراجعة الإصلاح، دون أي خطوط حمراء، بما في ذلك إمكانية مراجعة سن التقاعد القانوني.
الحزب الاشتراكي رأى في هذه الخطوة نوعًا من “الاتفاق غير المعلن على عدم اللجوء إلى حجب الثقة”، خصوصًا بعد انخراط النقابات العمالية في مفاوضات استمرت عدة أشهر. لكن سرعان ما بدأت هذه النقابات بالانسحاب تباعًا، بدءًا من نقابة “القوة العمالية”، ثم الكنفدرالية العامة للعمال التي اتهمت الحكومة بعدم الجدية في المفاوضات، ورفضها إدخال تغييرات حقيقية على الإصلاح.
السبب الرئيسي لانهيار الحوار كان تقليص بايرو لإطار النقاش، ورفضه التطرق إلى سن التقاعد، مع إصراره على ضرورة ضمان توازن النظام المالي بحلول عام 2030، وهو ما لم تنجح في تحقيقه إصلاحات الحكومة السابقة بقيادة إليزابيت بورن.
ورغم عقد جلسة أخيرة للحوار، أقر الشركاء الاجتماعيون بفشل المفاوضات، مما زاد من الضغوط على بايرو، الذي وُجهت إليه اتهامات مباشرة بإفشال الحوار.
في هذا السياق، ذكّر بوريس فالّو، رئيس كتلة الحزب الاشتراكي في الجمعية الوطنية، بتصريحات بايرو السابقة التي أكد فيها ضرورة تدخل البرلمان في حال فشل التفاوض. وقال فالّو مخاطبًا رئيس الوزراء: “الوفاء بالوعد هو أساس الديمقراطية. لقد خنتم وعودكم، ولذلك سنقدم مذكرة حجب الثقة”.
أحزاب اليسار تطالب بشكل أساسي بتخفيض سن التقاعد من 64 إلى 62 عامًا، لا سيما بالنسبة للعمال في المهن الشاقة. لكن بايرو يرفض هذه النقطة، مؤكّدًا استعداده فقط لإجراء تعديلات تتعلق بالنساء وظروف العمل الصعبة.
وقال في تصريح له: “أعتقد أن هناك طريقًا، ولو كان صعبًا، للخروج من الأزمة. ويمكن أن يؤدي إلى نص قانوني يُعرض على البرلمان. لكن من غير المقبول التضحية بالتوازن المالي”.
على المستوى البرلماني، أعلن نواب حزب “فرنسا الأبية”، إلى جانب الخضر والشيوعيين، دعمهم للمذكرة الاشتراكية. وعلّق جان لوك ميلنشون قائلًا: “أخيرًا عاد الحزب الاشتراكي إلى المعارضة الصريحة بعد فشل الحوار”.
غير أن المذكرة، حتى اللحظة، لا تملك فرصًا كبيرة في النجاح، ما لم يدعمها حزب التجمع الوطني. وفي هذا السياق، لم يُبدِ الحزب حتى الآن نية واضحة للتصويت لصالح حجب الثقة، لكن زعيمه جوردان بارديلا صرّح أن “كل شيء ممكن”، مضيفًا أن الموقف سيتحدد بشكل أوضح عند التصويت المقبل على الميزانية.
وأشار بارديلا إلى أن “لحظة الحقيقة” ستكون بين فترة العودة السياسية في الخريف ونهاية العام، حيث ستُطرح قضايا مصيرية مثل الهجرة، الإنفاق العام، وتقليص نفقات الدولة.
وفي حال تمرير مذكرة حجب الثقة، سيضطر الرئيس إيمانويل ماكرون إلى تعيين رئيس وزراء جديد، وهي مهمة معقدة، خصوصًا أن تعيين ميشيل بارنييه استغرق 7 أسابيع، ثم تبعه 8 أيام لتسمية بايرو بعد حجب الثقة عن بارنييه في ديسمبر 2024.







