في خضم انطلاق عملية الإحصاء الوطني للقطيع، التي تراهن عليها السلطات لإعادة هيكلة قطاع تربية الماشية وتعزيز الأمن الغذائي، بدأت تطفو إلى السطح أولى مؤشرات الاحتقان داخل أوساط موظفي وزارة الفلاحة، وسط اتهامات صريحة بعدم توفير الشروط الدنيا للعمل الميداني، وتذمر واسع من ظروف الاشتغال التي وصفت بـ”المرهقة وغير الآمنة”.
ففي وقت تتواصل فيه عملية ترقيم القطيع بإشراف لجان مختلطة تضم موظفين من وزارة الفلاحة إلى جانب ممثلي الداخلية، عادت إلى الواجهة إشكالية ضعف التجهيزات وقلة الموارد البشرية، وهو ما ألقى بثقله على الفرق الميدانية التي تُطلب منها مضاعفة الجهود في ظروف مناخية ومهنية صعبة، خاصة في ظل موجة الحر التي تعرفها البلاد، وطول ساعات العمل التي تمتد في بعض المناطق إلى ما بعد التوقيت الإداري وحتّى خلال عطل نهاية الأسبوع.
مصادر ميدانية متطابقة أكدت أن عددا من الأطر والموظفين يشتغلون بسيارات مهترئة، ويفتقرون لأبسط وسائل اللوجستيك، في ظل غياب أي تحفيزات أو تعويضات عن التنقل، رغم اتساع رقعة الاشتغال وصعوبة المسالك القروية. كما تحدثت عن حالات تعب جسدي ونفسي بدأت تظهر في صفوف بعض الموظفات، اللواتي يجدن أنفسهن عرضة للإرهاق والضغط دون أي حماية مهنية فعلية أو دعم ميداني كافٍ.
في هذا السياق، عقد المكتب الوطني للنقابة الوطنية لموظفي وزارة الفلاحة، التابعة للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، اجتماعا طارئا عن بُعد يوم الجمعة 27 يونيو الجاري، خصص لتدارس الاختلالات المرافقة لانطلاق عملية إحصاء القطيع، حيث عبّر عن “قلقه الشديد” من الوضع، محمّلاً وزارة الفلاحة مسؤولية ما قد يترتب عن ذلك من ارتباك في تنفيذ البرنامج الوطني.
وأشار المكتب النقابي، في بلاغ توصلت “نيشان” بنسخة منه، إلى أن انخراط الموظفات والموظفين في إنجاح الورش الوطني لا يمكن أن يتم خارج بيئة مهنية تحفظ كرامتهم، مجدّداً دعوته إلى تدخل مستعجل من طرف وزير الفلاحة من أجل تدارك النقص الحاصل في الوسائل، وتوفير تحفيزات ملموسة على رأسها تعويضات التنقل ومنحة خاصة بالبرنامج.
كما شدد التنظيم النقابي ذاته على ضرورة احترام ساعات العمل القانونية، وجعل الاشتغال الإضافي والعطل اختياريا ومؤدى عنه، داعيا إلى فتح حوار جدي ومسؤول مع الوزارة لتدارس هذه المطالب وتجاوز حالة الاحتقان قبل أن تنعكس سلبا على سير العملية برمتها.
ويأتي هذا التوتر في ظرفية دقيقة، تراهن فيها الدولة على إصلاح بنيوي في قطاع تربية الماشية، بعد سنوات من التداعيات التي خلفتها الجفاف وسوء التوزيع الجغرافي للثروة الحيوانية، حيث تسعى وزارة الفلاحة إلى ضبط أعداد القطيع وتوزيعه الجغرافي وتتبعه صحياً، وهو ما يتطلب تعبئة بشرية ولوجستية هائلة.
وكانت برامج سابقة، كالمخطط الأخضر، قد واجهت بدورها انتقادات مماثلة تتعلق بإقصاء الكفاءات الميدانية وعدم إشراكها في التخطيط والتنفيذ، ما يضع الوزارة اليوم أمام اختبار جديد عنوانه ” هل تنجح في تجاوز أخطاء الماضي وضمان فعالية الإصلاح بأدوات بشرية محفزة وآليات اشتغال تحفظ كرامة موظفيها.







