بعد أن مرت عاصفة إعفاء 23 مسؤولًا إقليميًا بسلام، يبدو أن الوزير برادة وجد ضالته في ديناصور الوزارة، الذي صار يتحرك بقبعة المفتش العام والكاتب العام، في سابقة تطرح إصرار الوزير التجمعي على خلق ثقب كبير في حكامة الوزارة، وسط شبهات كثيرة تلاحق هوية اليد التي تضغط على زر التحكم في إلغاء ومنح صفقات بالمليارات.
يتعلق الأمر بالمفتش العام، والكاتب العام، والمدير العام السابق للممتلكات الحسين أقوضاض، والذي يُعد بمثابة العلبة السوداء لأسرار الوزارة، بعد أن واجه ولسنوات اتهامات صريحة بالتقصير في مراقبة الثقوب الكبيرة التي سالت منها المليارات المخصصة للتعليم العمومي، عبر بوابة عدد من الصفقات، وخاصة منها صفقة شراء 509 سيارات.
أقوضاض، الذي تم تمديد صلاحيته، وتحول إلى “عشماوي” الوزارة بعد التخلص من السحيمي، صار مثل ظل الوزير، الذي اكتشف في الرجل جينات ستسعفه على تنفيذ المهمة التي جاء من أجلها للوزارة في زمن قياسي مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية.
مصادر “نيشان” تؤكد أن ما يحدث داخل الوزارة يمهد الطريق لولادة فضائح جديدة، أخطر من البرنامج الاستعجالي، في ظل ضخامة الموارد المالية المرصودة لمشاريع المدرسة الرائدة، ورفع إيقاع تفريخ الصفقات دون وجود رقابة، في ظل انشغال أقوضاض بتبييض قرارات الوزير برادة، من خلال الركوب على تقارير تفتيش لم يظهر لها أثر.
مصادر “نيشان” قالت إن الأمر يتعلق بمسؤول كان من المفترض أن يوجد على رأس قائمة من يتعين استدعاؤهم من طرف الفرقة الوطنية للتحقيق في فضائح البرنامج الاستعجالي، بحكم مهمته كمفتش عام، بعد أن ظل صامتًا لسنوات قبل أن يفيق من سباته مع نشر تفاصيل الفضائح إعلاميًا، قبل تقديم مسؤولين إقليميين وجهويين كأكباش فداء في بعض الملفات، في حين ظل المسؤولون المركزيون، وعلى رأسهم أقوضاض، بعيدين عن المساءلة الجنائية أو الإدارية، بل استفادوا من التمديد للبقاء في مناصبهم رغم وجود بصماتهم واضحة في عدد من الملفات المثيرة للجدل.
الوثائق التي توفّر عليها موقع “نيشان” تكشف أن أقوضاض، الذي نجا من إعفاءات ومحاكمات البرنامج الاستعجالي، كان مسؤولًا بشكل مباشر عن حرمان الآلاف من أبناء المغاربة من حقهم في التعليم في مدارس عمومية، بعد أن سمح تحت غطاء “رفع اليد” بانتزاع عقارات قيمتها مئات المليارات من الغرض الذي رُصدت له في تصاميم التهيئة كمدارس لتعليم أبناء المغاربة، لتفوت بسعر جد بخس لعدد من المحظوظين الذين قاموا باستغلالها في مشاريع خاصة تدر عليهم عائدات ضخمة، وذلك بتزكية من المفتش العام للوزارة الحسين أقوضاض حين توليه لمنصب مدير الممتلكات.
وصمت أقوضاض عن جرائم فعلية ارتُكبت في حق التعليم العمومي، من خلال استنزاف الرصيد العقاري المخصص له، والتصرف فيه كملكية خاصة قابلة للتفويت، حيث سُلّمت عشرات القطع الأرضية التي تتجاوز مساحتها في بعض الأحيان 8000 متر مربع، وتوجد بمواقع استراتيجية بمدن كبرى مثل مراكش والدار البيضاء وفاس وطنجة والرباط، كهدية على حساب بناء مدارس عمومية للمغاربة.
وبقي أقوضاض عاجزًا عن ملاحقة الفضائح الكثيرة التي انتهت بتبديد آلاف المليارات، ويتعلق الأمر أساسًا بصفقات العتاد الديداكتيكي، بعد أن تبين أن أطنانًا من المعدات لم تُسلَّم أو تم التوقيع على تسلُّمها بمحاضر مزورة.
كما اتضح أن معدات كلفت المليارات تم تصنيعها في ورشات سرية وسُلّمت معطوبة، وقُبض ثمنها على أنها مستوردة، ومنها المختبرات المتحركة التي كلفت 24 مليون سنتيم لكل مختبر، وتحولت في نهاية المطاف إلى مخزن لأحذية التلاميذ دون استغلالها.
وكانت الفضائح المالية التي كشفتها تسريبات هاتفية قد دفعت المفتش العام للتخلي عن الكسل، ليقوم بالنبش في جزء صغير من الملفات بعد أن دخلت الفرقة الوطنية على الخط.
الغريب أن أقوضاض جمع في وقت سابق بين منصب مدير الميزانية، بما له من اتصال مباشر بالمليارات التي صُرفت على القطاع، ومنصبه كمفتش عام، في تناقض صارخ، كشف جزءًا مما يجري في المطبخ الداخلي لصفقات الوزارة، ومنها صرف 60 مليارًا كتغذية خلال تكوينات صورية.
اليوم، صار أقوضاض يجمع بين منصب المفتش العام والكاتب العام بالنيابة، وهو جمع غير بريء بعد التفاصيل الصادمة والرائحة المشبوهة التي صارت تنبعث من طريقة تدبير الصفقات، ما يعيد إلى الواجهة مناطق الظل الكثيرة التي لاحقت طريقة تعاطي المفتشية العامة لوزارة التربية الوطنية مع ملفات الفساد التي ظلت تلاحق القطاع، وخاصة منها قيامها بافتحاص سابق و”مضروب” لمشاريع البرنامج الاستعجالي. وهو الافتحاص الذي تغاضى عمدًا عن كثير من الاختلالات الخطيرة، بعد التركيز على صفقات العتاد دون فتح ملفات الصفقات التي أشرف عليها مسؤولون مركزيون.
لهذه الأسباب احتفظ برادة بـ”ديناصور” الوزارة بعد إعفاء السحيمي







