حمّل مجلس المنافسة في رأيه الأخير تجار المواد الغذائية وموزعيها مسؤولية مباشرة عن تفاقم الأسعار خلال موجة التضخم التي ضربت البلاد في 2021 و2022، معتبرًا أنهم بالغوا في رفع أسعار البيع بنسب تتجاوز زيادات سعر الشراء، في حين كانوا أقل تجاوبا مع انخفاضات الأسعار لاحقا، بحجة “تصريف المخزون”.
لكن هذا الرأي، الذي بدا في ظاهره تشخيصا تقنيا لوضعية مسالك توزيع المواد الغذائية، أثار تساؤلات واسعة لدى مصادر مطلعة، هل نحن أمام محاولة لتحميل الطرف الأضعف – التاجر والموزع – كامل مسؤولية الغلاء؟ أم أن المجلس بصدد تبرئة ضمنية لحكومة عزيز أخنوش من فشلها في كبح الأسعار وضبط السوق؟
اتهام للتاجر.. وتغافل عن أصل العطب؟
في تقريره، تحدث المجلس عن شبكة توزيع مفككة، يهيمن عليها الوسطاء وتغيب عنها الشفافية، مؤكدًا أن التاجر – سواء البقال التقليدي أو الفاعل في التجارة العصرية – استغل ارتفاع الأسعار لتعظيم هامش الربح، دون أن يُفعّل التخفيضات عندما انخفضت الأسعار في السوق الدولية، ما ساهم في “استدامة” الغلاء داخل السوق المغربية.
غير أن هذا الخطاب، حسب المصادر، يتغافل عن البنية العميقة للأزمة. إذ كيف يمكن تحميل التاجر مسؤولية دون مساءلة الجهات التي تتحكم في سلاسل الإنتاج، وأسواق الجملة، واستيراد المواد الأساسية؟ وهل يمكن للبقال الذي يشتري سلعه بأسعار مرتفعة أن يُبادر بتخفيض الأسعار من تلقاء نفسه دون حماية أو دعم؟
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي “محمد الرهطوط”، في تصريح لـ “نيشان“، إن “تحميل التاجر الصغير مسؤولية الغلاء يُفرغ النقاش من بعده السياسي والمؤسساتي”، مشددًا على أن “مشكلة الأسعار لا تُحل بتقارير تقنية، بل بتدخلات تنظيمية وهيكلية تبدأ من ضبط سوق الجملة، وتحديد سقف لهوامش الربح، وتوفير الحماية للفئات الهشة من الاستغلال”.
وتابع الرهطوط “ما قام به مجلس المنافسة من تشخيص دقيق لا يُنكر، لكنه اختزل التضخم في السلوك الفردي لبعض التجار، في حين أن الحكومة لم تقدم أي سياسة واضحة لإعادة هيكلة السوق. غابت الرقابة، وغابت إصلاحات التعاضديات، وضُرب مبدأ العدالة في توزيع العبء”.
هوامش الربح ترتفع.. والمستهلك يزداد هشاشة
وفق تقرير المجلس، فإن هوامش الربح الخام في تجارة المواد الغذائية ارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات الثلاث الأخيرة، خاصة لدى المساحات الكبرى التي جمعت بين هامش الربح “الأمامي” و”الخلفي”، بنسبة وصلت إلى 9% في المتوسط. في المقابل، لم ينعكس هذا الربح على المستهلك، الذي ظل يتحمل الكلفة النهائية.
وبينما يتحدث المجلس عن “استغلال” التجار للغلاء، لا يتحدث عن غياب أي مبادرات حكومية لضبط أسعار المحروقات أو مراجعة قوانين السوق، رغم أن الحكومة تمتلك أدوات التدخل من خلال الدعم، والضرائب، والمراقبة، وحتى التشريع. أليس هذا تغافلاً عن مسؤولية الدولة؟ – تتساءل المصادر –
من جهتها، اعتبرت الباحثة في السياسات الاجتماعية الدكتورة فاطمة الزهراء بلعربي الهاشمي أن رأي مجلس المنافسة “اعتمد على خطاب تقني يتجاهل واقعا اجتماعيا مُلتهبا، عنوانه الأساسي هو انحسار الثقة “.
وفي اتصال هاتفي مع “نيشان“، أكدت بلعربي أن “المواطن البسيط لا يُتابع تقارير المجالس الدستورية، بل يسأل لماذا أصبحت قنينة الغاز ب 55 درهمًا بدل 40؟ ولماذا صار اللتر الواحد من الزيت يُباع بأكثر من 20 درهما؟”، مضيفة أن تحميل التاجر الصغير هذه المسؤولية يُعزز الانطباع العام بأن الدولة ترمي بالأزمة على الفئات الهشة وتتغافل عن لوبيات النفوذ في السوق.
بين تضخم الأرقام.. وغياب التدخل
ما يزيد من حساسية الموقف، هو أن حكومة عزيز أخنوش – التي يترأس حزبه وزارات حيوية كالفلاحة والمالية وغيرها – لم تقم بأي مبادرة جريئة لإعادة هيكلة السوق، أو وقف انفلات الأسعار، بل اكتفت بتبرير الوضع بالعوامل الدولية. وحتى البرامج الاجتماعية مثل “الدعم الاجتماعي المباشر” أو “برنامج أوراش” لم تُفلح في استعادة الثقة أو تقوية القدرة الشرائية للطبقة الفقيرة.
في هذا السياق، تتساءل المصادر إن كانت هذه الخرجة الجديدة من مجلس المنافسة محاولة لتغيير اتجاه الغضب الشعبي من الحكومة إلى التجار. خصوصًا أن هذه التصريحات جاءت في وقت حساس سياسيًا، وعلى بُعد أقل من سنة من الانتخابات التشريعية المرتقبة في 2026، وهو ما قد يُفسره البعض على أنه محاولة مبطّنة لتبييض صورة الحكومة الحالية التي يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار، في ظل تآكل شعبيتها، وتنامي الانتقادات الموجهة إليها بسبب ما يُعتبر “فشلًا ذريعًا في التحكم في الأسعار” وتحقيق الوعود الاجتماعية التي رفعتها في حملتها الانتخابية سنة 2021.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن تحويل الأنظار نحو “الفاعلين الصغار” في السوق – من بقالين وموزعين – قد يكون محاولة لامتصاص الاحتقان الاجتماعي المتزايد، لا سيما في ظل غياب حلول بنيوية ومقاربات جريئة لإعادة تنظيم سلاسل التوزيع، وتعزيز آليات المراقبة والشفافية.
هل تصلح التقارير ما أفسدته السياسات؟
تؤكد المصادر التي تحدثت الى “نيشان” ، أن تقرير مجلس المنافسة لا يفتقد للدقة، لكنه يفتقر إلى التوازن في التحليل. فالمشكلة أعمق من سلوك بقال في الحي أو تاجر تقسيط في دوار. إنها أزمة نظام توزيع كامل غير مراقب، وغير منصف، وغير مهيكل، في ظل حكومة لا تزال تغض الطرف عن إصلاح جذري كان عليها مباشرته منذ اليوم الأول.
وإلى أن تقرر “حكومة أخنوش” التدخل في أصل الأزمة، ستظل التقارير التقنية وسيلة لتأجيل الانفجار الاجتماعي لا منعه، وسيظل المواطن البسيط بين كماشة الأسعار وبين خطاب يُشخص ولا يعالج.







