مازالت عملية إحصاء القطيع الوطني تراوح مكانها في ظل ارتباك تنظيمي كبير وتدهور ظروف العمل الميداني، ما يهدد بفشل هذا الورش الذي تراهن عليه الدولة لإعادة هيكلة الثروة الحيوانية في البلاد. فبين التضاريس الوعرة، وقلة الوسائل اللوجيستيكية، وساعات العمل الطويلة التي تتجاوز الزمن القانوني، يجد موظفو وزارة الفلاحة أنفسهم في مواجهة مباشرة مع ضغوط مهنية غير مسبوقة، وسط صمت رسمي من الوزير أحمد البواري الذي تتصاعد الأصوات المطالبة بمساءلته.
وتؤكد مصادر نقابية أن الموظفون المكلفون بالإحصاء في عدد من الجهات، يضطرون إلى التنقل عبر وسائل نقل متهالكة، بعضها غير صالح للاستعمال، ما يعرّض سلامتهم للخطر في ظل ارتفاع درجات الحرارة وصعوبة المسالك القروية. كما أن غياب التأطير والتكوين القبلي، وتكليف عدد محدود من الأطر بمهام تتجاوز طاقتهم، زاد من منسوب الاحتقان، وفتح الباب أمام احتجاجات نقابية متواترة، حذرت من مغبة تجاهل نداءات الشغيلة الفلاحية.
المصادر ذاتها، أكدت أن العاملين على تنفيذ عملية الإحصاء يشعرون بأنهم تُركوا لوحدهم في الميدان، دون دعم لوجيستي أو تعويضات تليق بطبيعة العمل المرهق، مشيرة إلى أن ساعات العمل تمتد أحيانًا إلى 12 ساعة يوميًا، تشمل أيام العطل ونهايات الأسبوع، ما اعتُبر ضربًا لحقوقهم وكرامتهم المهنية، في ظل غياب أي حوار مؤسساتي مع الوزارة المعنية.
وفي بيان شديد اللهجة، عبّرت التنسيقية الوطنية للوظيفة العمومية، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، عن “قلقها البالغ” من الظروف التي يعمل فيها موظفو وزارة الفلاحة المشاركون في هذا الورش، منددة بما سمّته “استغلالاً مفرطاً للموظفين”، ومحمّلة وزارة الفلاحة المسؤولية الكاملة عن هذه الاختلالات. ودعت التنسيقية إلى توفير وسائل نقل ملائمة، وتأطير فعلي للموظفين، مع صرف تعويضات تحفيزية، مراعاة لطبيعة المهام والمخاطر التي يتحملونها.
وكانت الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي بدورها قد طالبت الوزير البواري بفتح جلسات حوار جادة، ووضع حد لما اعتبرته “تسييرًا عشوائيًا وارتجاليًا” لهذا الورش، مؤكدة أن الشكاوى الواردة من المديريات الجهوية والإقليمية تتقاطع كلها حول قلة الموارد البشرية، وغياب التشجيع، وضعف وسائل النقل، بل وعدم احترام التوقيت الإداري.
ورغم أن موظفي الفلاحة عبّروا في عدة مناسبات عن التزامهم بإنجاح هذا المشروع الوطني الحيوي، إلا أن الإصرار على تجاهل “مطالبهم العادلة”، حسب تصريحات نقابية، من شأنه أن يُفقد الورش زخمه، ويهدد الثقة بين الشغيلة والإدارة المركزية.







