في الماضي، كان “فقيه الجامع” يتقاضى أجره من أولياء الأطفال الذين يتعلمون القراءة وحفظ القرآن… كان هناك اتفاق مسبق، يُعرف ب “الشرط”، بين الفقيه والآباء بشأن المقابل الذي يُقدَّم له نظير تعليم أبنائهم، سواء كان مالا أو مواد غذائية (كالبيض والزيت والقمح والدجاج..). ومن هنا جاء لقب “فقيه مشارط”… كان اجر الفقيه تعبيرا عن احترام المجتمع وتقديريه لدور الفقيه في تعليم الأبناء.
لماذا هذه المقدمة؟
لأننا، وللأسف الشديد، نعيش منذ سنوات ظاهرة غريبة ومشينة في بعض المؤسسات الجامعية، حيث يُجبر الطلبة على اقتناء كتب بعض الأساتذة، وإلا فالعقاب ينتظرهم في نتائج الامتحانات (لا أعمم)..
هذه الممارسات المشينة باتت منتشرة، بشكل مقلق، في عدد من الكليات، خاصة كليات الحقوق، حيث أن بعض الأساتذة يكلّفون طالبا أو أكثر بجمع الأسماء والتوقيعات والمبالغ المالية مقابل كتاب، ثم يسلمون المال للأستاذ صاحب الكتاب… وحسب عدد من الطلبة، فإن كل طالب لا يَرد اسمه في اللائحة، يكون مصيره العقاب (نتائج الامتحانات)..
لذلك، اخترت أن أبدأ بقصة “الفقيه المشارط”، لأقترح (ساخرا طبعا) على وزارة التعليم العالي أن تُعدّل النظام الأساسي للأساتذة الباحثين، وتُحدث فئة جديدة تحمل اسم : “الأستاذ المشارط”، تُجيز لهم، ليس فقط أخذ المال مقابل كتاب، بل أخذ كذلك البيض أو الزيت أو الدجاج، او اي شيء يجود به الطلبة، تماما كما كان يفعل “الفقيه المشارط ديال الجامع”… مع فارق بسيط طبعا هو ان “الفقيه المشارط” كان يستحق أجرته وكان يحترمه الناس، أما الأستاذ الذي يبيع الكتب تحت الضغط والتهديد فلا يستحق حتى نظرة احترام، بعد أن أصبح موضوع نكتة وسخرية بين الطلبة والطالبات.
أليس من المخجل أن تتحوّل بعض المؤسسات الجامعية إلى “سوق أسبوعي”، لبيع الكتب والمؤلفات بطرق أقل ما يمكن ان يقال عنها انها طرق تثير السخرية والشفقة ؟
أليس من واجب عمادة الكلية ورئاسة الجامعة والوزارة الوصية، أن تتصدى لهذا التردي الأخلاقي؟
أليس من العار أن نُسمي هذا الشخص “أستاذا باحثا”، وهو في الحقيقة لا يبحث إلا عن طرق خبيثة لتحصيل الريع التربوي (لا أعمم) ؟
في سياق موازٍ، لا علاقة له مباشرة بما سبق، يروج بين بعض طلبة سلك الدكتوراه بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة تسجيل صوتي منسوب لأحد الطلبة، يُفيد بأن أستاذا (تم التحفّظ على اسمه) كلفه بجمع أسماء الطلبة في لائحة، وأخبرهم بأن من يرغب في الحصول على كتاب الأستاذ مقابل 100 درهم، فعليه الاتصال به لتوقيع اللائحة وتسليمه المبلغ.
اللافت في التسجيل أن الطالب يحدد موعدا نهائيا للتسجيل، مشيرا إلى أنه سيسلم اللائحة والمبلغ إلى الأستاذ بعد هذا الموعد.. وقد أثار هذا الأسلوب سخرية وحسرة بين بعض الطلبة، متسائلين أين رئاسة الجامعة مما يتعرضون له ؟
سؤال : لماذا لا يفتح رئيس الجامعة تحقيقا في الموضوع ويعمل على جمع المعطيات والحجج (التسجيل الصوتي، تقرير المفتشية العامة للوزارة، شهادة الطلبة…)، ثم يتخذ الإجراءات اللازمة ؟
وللتذكير، سبق للمفتشية العامة للوزارة أن قامت خلال السنة الماضية بزيارة بحث وتفتيش إلى كلية الحقوق بالجديدة، في إطار بحث حول هذه الظاهرة، وقد تضمن التقرير، حسب ما يروج، أسماءً لأساتذة متورطين في ممارسات مماثلة.
للتوضيح : لسنا ضد اقتناء الكتب والمؤلفات، بل نحن مع الحق في التأليف والبيع متى كان ذلك قائما على حرية الطالب واقتناعه، بعيدا عن أي ضغط أو تهديد أو انتقام أكاديمي.







