علمت نيشان من مصادرها أن اللقاء التكويني الذي نظمته الشبيبة التجمعية نهاية الأسبوع المنصرم بمدينة أكادير، بشراكة مع مؤسسة “كونراد أديناور” الألمانية، لم يكن مجرد محطة تكوينية عابرة، بل واجهة لتحرك حزبي يجري تدبيره بصمت، في محاولة لإعادة رص صفوف حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي بدأ يفقد تماسكه التنظيمي والزخم التعبوي الذي ميز حملاته السابقة، لاسيما في أوساط الشباب، وذلك بعد انشغال لحسن السعدي، الكاتب الوطني للفيدرالية، عقب تعيينه كاتبًا للدولة في التعديل الحكومي الأخير.
اللقاء، الذي لم يُعلن عنه بشكل واسع، أحيط بأجواء تحضيرية دقيقة، جرى ترتيب جزء كبير منها بتنسيق مباشر مع فرع الحزب بألمانيا، حيث برز اسم كريم زيدان، المنسق العام للحزب هناك، والوزير المنتدب المكلف بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية. زيدان، الذي راكم تجربة طويلة في ألمانيا كمهندس ميكانيكي، لم يعد مجرد اسم “عاد” داخل الحزب، بل تحول إلى نقطة توازن حساسة، بعدما نسج شبكة علاقات واسعة مع مؤسسات ألمانية، أبرزها مؤسسة “أديناور” المقربة من الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني، التي انخرطت في هذا البرنامج في إطار التعاون المؤسساتي وتبادل الخبرات في مجال تأطير الشباب وتعزيز آليات الحكامة.
مصادر نيشان أوضحت أن اللقاء لم يكن معزولًا عن السياق السياسي الراهن، بل جاء في توقيت يشهد فيه الحزب ارتباكا داخليا متزايدًا، خاصة مع بروز مبادرات منافسة من داخل الأغلبية الحكومية، أبرزها مبادرة “جيل 2030” التي أطلقها حزب الأصالة والمعاصرة، والتي أحدثت دينامية مفاجئة على مستوى التعبئة الشبابية. ويبدو أن التجمع الوطني للأحرار اختار الرد عبر تحرك ميداني تقوده الشبيبة، وإن بدا اللقاء، بحسب عدة مصادر، أقرب إلى تمرين داخلي منه إلى مبادرة فعلية للإنصات.
وتؤكد مصادرنا أن عددًا من الحاضرين، خصوصًا من خارج التنظيم، لم يخفوا امتعاضهم من الطابع المغلق للقاء، ومن الصيغة الترويجية التي هيمنت على النقاش، حيث وصفت بعض الأصوات اللقاء بـ”التمرين التعبوي المُعاد”، والذي غابت فيه الأسئلة الكبرى التي تشغل الشباب، وحضر خطاب “الإنجاز الحكومي بلغة ووتيرة لا تختلف كثيرًا عن أسلوب الحملات الانتخابية، وسط انتقادات لما اعتُبر “إغراقًا في التطبيل وشيطنة للخصوم”.
وفي الوقت الذي حرص فيه المنظمون على تقديم اللقاء كمنصة للتأطير، لم يُخف بعض مسؤولي الحزب أن التحرك يأتي ضمن “خريطة تعبئة انتخابية مبكرة”، خاصة في المدن التي تُصنَّف ضمن مناطق التأرجح. وفي هذا السياق، كشفت مصادر من داخل الشبيبة أن اللقاءات ستشمل قريبًا مدنًا مثل القنيطرة وتطوان وبني ملال، ضمن سلسلة أنشطة يُراد لها أن تعيد الدفء إلى الآلة التنظيمية التي دخلت في نوع من السكون منذ انتخابات 2021.
في المقابل، تشير تسريبات من داخل الحزب إلى أن النقاش الداخلي لم يعد فقط حول أين ينشط الحزب، بل بأي أدوات. إذ يحتدم اليوم جدل بين تيارين، الأول ما زال يراهن على الحملات الرقمية ومنصات التواصل كرافعة للتأطير و “الترويج”، فيما يدفع الثاني نحو العودة إلى التنظيمات الموازية وإحياء التنسيقيات الجهوية.
وجدير بالذكر أن مؤسسة “كونراد أديناور” هي مؤسسة سياسية ألمانية معروفة بقربها من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني (CDU)، وتُعتبر من أدوات القوة الناعمة التي تعتمد عليها برلين في دعم برامج الديمقراطية والحكامة بعدد من بلدان الجنوب.







