ما أحوجنا أن نتذكر بعض كبارنا في زمن الصغار، وأن نتحدى الجحود والتنكّر، ولو ببعض الكلمات، لذلك أريد أن أكتب اليوم عن أحد الروائيين المغاربة الاستثنائيين، الذين غادروا على عجل، في مثل هاته الأيام، قبل سبعة عشر عاما: محمد لفتح، مؤلف “آنسات نوميديا” و”المعركة الأخيرة للقبطان نعمت”، وأحد أهم الأقلام المغربية بلغة موليير. أريد أن أكتب عنه نكاية في النسيان.
انسحب لفتح من الحياة بلا ضوضاء، في 20 يوليوز 2008، تاركا وراءه مؤلفات غزيرة معظمها على شكل مخطوطات، نشرت بعضها دار “لاديفيرانس” الباريسية، بعد مماته، قبل أن تنتقل بدورها إلى دار البقاء، مما شكل خسارة كبيرة للأدب المغربي، لأنّ الدار كانت تنشر لعدد كبير من مبدعينا، المكرّسين والجدد.
طوال حياته القصيرة، ظل صاحب “طفل الرخام” يأتي من جهات غير متوقعة، لذلك لم يكن غريبا أن يغادر من مكان غير متوقع: القاهرة، حيث عاش سنواته الأخيرة في بيت أخته، وحيث يرقد الآن إلى الأبد، غير بعيد عن نجيب محفوظ وطه حسين وتوفيق الحكيم والأمير محمد بنعبد الكريم الخطابي.
كان لفتح واحدا ممن يصعب الفصل بين حياتهم وبين أدبهم، عاش عمره بالطول والعرض، وظل يتحدى العالم بكتاباته وشغبه حتى النهاية. أحد نقاد الأدب، قال ذات يوم: “بعض الكتاب الكبار يحتاجون الى موت مزدوج كي نتعرف عليهم: موتهم الشخصي وموت العصر الذي عاشوا فيه”، ولعل الحياة الحقيقية لمؤلف “وردة في الليل” بدأت بعد رحيله، في انتظار أن تكتشفه الأجيال اللاحقة، مثل كل الكتاب الكبار الذين يطلق عليهم عادة “الشعراء الملاعين”.
أسلوب لفتح المتفرد ولغته الاستثنائية، تذكرنا بمحمد خير الدين وأحمد البوعناني، صاحب “المستشفى”، أما جرأته فلا مثيل لها في سجل الأدب المغربي إلا عند محمد شكري.
تعرفت لأول مرة على الراحل بفضل صديقي الكاتب المغربي المقيم في فرنسا سليم الجاي، الذي قاده حسه النقدي وشغفه بالأدب الرفيع إلى منح حياة ثانية لروايات لفتح. عام 2003، كان الجاي منهمكا في تأليف قاموسه العجيب “معجم الكتاب المغاربة” وهو عبارة عن أنطولوجيا فريدة للمبدعين المغاربة بمختلف اللغات، بما فيها الهولندية والأمازيغية. كان لفتح قد نشر كتابا واحدًا هو “آنسات نوميديا”، عن دار “لوب” ثم اختفى من الرادارات. عندما قرأه سليم، اعتبره “تحفة أدبية” وقصد الناشر الباريسي كي يطلب منه عنوان الكاتب الذي ألف “جوهرة الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية”، كي يتواصل معه…. لكن الناشر صب عليه سطل ماء بارد حين قال له إن صاحب “الآنسات” قد مات… فيما بعد، اكتشفنا أنها مجرد حلية من الناشر كي يتخلص من كاتب أزعجه كثيرا بسبب تصرفاته الخارجة عن المواضعات، لم يعد يريد أن يسمع به، لذلك «قتله» كي يرتاح !
فيما بعد، عرفنا أن لفتح تعرض لنكسة في حياته، بعد صدور باكورته الأدبية، شوشت على علاقاته وجعلته يختار العزلة في القاهرة عند أخته.
في خريف 2005، كنت مسؤولا عن البرامج الثقافية في دوزيم عندما كان الإعلامي الراحل عمر سليم يهيئ الحلقة الأولى من برنامجه «Arts & Lettres» حول الرواية المغربية، واقترحت عليه أن يستضيف سليم الجاي، وكانت تلك المرة الاولى التي يعود فيها صاحب “لن تعبر المضيق” الى المغرب بعد غياب ناهز ثلاثين عاما.
طوال البرنامج، لم يكفّ الجاي عن تمجيد لفتح ووصف الآنسات” بأجمل ما كتب في الأدب المغربي بالفرنسية، نكاية بالكتاب المكرسين. الصدف الماكرة شاءت أن يشاهد الراحل البرنامج من القاهرة حيث كان يقيم، على فضائية القناة الثانية، ويطلب من ابنته التي تسكن في ضواحي باريس أن تتصل بالجاي، كي تعطيه مجموعة مخطوطات مكدسة لديه… بمجرد ما استلمها سليم حملها الجاي إلى المرحوم جواكيم فيتال، صاحب «لاديفيرانس»، الذي لم يتردد في أن يجعل من لفتح أحد أهم كتاب الدار…. هكذا عاد الكاتب من موته الأول، ونشر كتبا جديدة ستجعله يعيش طويلا، نكاية بموته الثاني!
الكاتب الذي مات مرّتين!







