ربما يبدو عنوان هذا المقال مستفزًا، لكنه يعكس بحق عمق الأزمة التي تتخبط فيها الحياة السياسية المغربية. هذه الأزمة التي أصبحت تتسم بالضيق الشديد وفقدان الثقة في المؤسسات التشريعية والتنفيذية، لتضع الناخب المغربي أمام خيار يشبه الاختيار ما بين الطاعون والكوليرا.
فهل هذا هو قدر الناخب المغربي؟ أم أن هذه الأزمة تنذر بموت السياسة ذاتها؟
يسود المزاج العام في المغرب شعور بالإحباط واليأس من الأحزاب والنخب السياسية. هذا الشعور تجلى في دعوات متزايدة لمقاطعة الانتخابات، حيث يرى الكثيرون أن الغياب الجماعي عن صناديق الاقتراع هو شكل من أشكال المقاومة الشعبية.
هذه الدعوات لا تقتصر على رفض المشاركة فحسب، بل تمتد إلى اقتراحات جذرية مثل جمع كل السلطات بيد الملك وإعلان حالة الإستثناء، على غرار مغرب ستينيات القرن الماضي.
أصبحت الانتخابات التشريعية مجرد أداة لتحقيق أهداف مرحلية متباينة ، بحيث تسعى الدولة من خلالها إلى تعزيز شرعيتها الديمقراطية داخليًا وخارجيًا عبر تحقيق نسب مشاركة مرتفعة، بينما تهدف الأحزاب السياسية إلى زيادة مقاعدها في البرلمان لتقاسم كعكة الحكومة والمناصب ، ويسعى البرلمانيون لتأمين مواقعهم لضمان استمرار مصالحهم الشخصية.
في المقابل، يخرج الناخب من هذا المشهد الانتخابي خالي الوفاض، دون تحقيق آماله وتطلعاته.
حتى نموذج الدولة الاجتماعية، الذي أريد به إرساء مفهوم الحماية الاجتماعية، فقد مضمونه وتحول إلى عبء على الدولة بسبب غياب آليات شفافة للمراقبة .
منذ انتخابات 2011، واجهت الحكومات المغربية المتعاقبة، بدءًا من حكومة بنكيران، غضباً شعبياً متزايدا بسبب إصلاحات اقتصادية مثل رفع دعم المحروقات عبر صندوق المقاصة، مما زاد من ارتفاع تكاليف المعيشة دون تحسين ملموس في البطالة أو مكافحة الفساد، بعد ذلك تولت حكومة أخنوش التي وعدت بخلق مليون فرصة عمل، لكنها واجهت استياءً مماثلاً بسبب ارتفاع البطالة إلى 21%، غلاء الأسعار، التضخم واتهامات بتضارب المصالح، مما يعكس استمرار التحديات الاقتصادية والاجتماعية وتفاقم أزمة الثقة في الأحزاب.
إذا ما حاولنا تفكيك أسباب هذا الإحباط، نجد أن الطبقة السياسية تلعب دورًا محوريًا في تعميق الفجوة بين المواطن والمؤسسات السياسية.
هذه الطبقة التي من المفترض أن تلعب دور الوسيط الرقابي والتشريعي أصبحت في الواقع فئة يشار إليها في تآكل الثقة في المؤسسات الديمقراطية.
فشل المؤسسات السياسية ،التشريعية والتنفيذية إلى جانب تغول المال السياسي، ليس مجرد نتيجة عرضية، بل هو نتيجة حتمية لتركيز السلطة والثروة في أيدي طبقة محظوظة.
هذا الواقع أدى إلى شعور شعبي متزايد بالإقصاء والتهميش، مما جعل الكثيرين يتخلون عن المشاركة السياسية التقليدية، مفضلين الاحتجاج في الشارع أو عبر منصات التواصل الاجتماعي.
في ظل هذا الواقع، انتقلت المعارضة السياسية من قبة البرلمان والصحف إلى الشارع، و أصبحت الدولة وجهاً لوجه معه ، في غياب تام لأي دور للأحزاب السياسية التي كان يُفترض أن تتولى دور الوساطة والتأطير.
مثال ذلك، المسيرات الشعبية التي شهدها مؤخرا إقليم أزيلال، بحيث خرج المواطنون للمطالبة بحقوقهم الأساسية في التنمية، التعليم، الصحة، والشغل.
لكن هذه التحركات، التي بدأت كمطالب مشروعة، تتخذ في بعض الأحيان طابعًا متطرفًا وشعبويًا، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تختلط الحقيقة بالخيال، والوهم بالواقع، وتحولت بعض الخطابات إلى تشهير ومساس بحريات الأفراد والمؤسسات، بل وصل الأمر إلى التطاول على المقدسات و المؤسسات السيادية، وهو أمر ينذر بخطر كبير.
هذا التحول من دولة المؤسسات إلى الاحتجاج العشوائي في الشارع أو الفضاء الافتراضي يعكس أزمة أعمق، موت السياسة بمعناها الحقيقي.
عندما تفقد الأحزاب السياسية دورها كقنوات للتعبير عن المطالب الشعبية، وتصبح المؤسسات التشريعية مجرد واجهات شكلية، يتحول الشارع إلى ساحة للصراع المباشر بين الدولة والمجتمع.
هذا الوضع لا يهدد فقط استقرار النظام السياسي، بل يفتح الباب أمام التطرف والشعبوية، و يصبح من الصعب تمييز الحقيقة من الافتراء، والمطالب المشروعة من الخطابات المتطرفة.
إن إعادة إحياء السياسة في المغرب ، يتطلب إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. يجب على الأحزاب السياسية أن تستعيد دورها التاريخي كممثل حقيقي لتطلعات الطبقات الشعبية، من خلال برامج واضحة وشفافة تعالج بعمق قضايا التنمية، العدالة الاجتماعية، والمساواة.
كما أن الدولة مدعوة إلى فتح قنوات حوار حقيقية مع فعاليات المجتمع المدني، بعيدًا عن الشعارات الفارغة أو الإكراه. وفي الوقت نفسه، ينبغي على المجتمع المدني أن يلعب دورًا في توجيه الاحتجاجات نحو قنوات بناءة، بعيدًا عن الفوضى أو التطرف.
إن الاختيار بين الطاعون والكوليرا ليس قدرًا محتومًا للناخب المغربي، لكنه يعكس حالة من الإحباط العميق تجاه نخب سياسية فقدت الكثير من مصداقيتها.
إذا استمرت الأزمة دون معالجة، فإن الخطر الأكبر ليس فقط مقاطعة الانتخابات، بل موت السياسة ذاتها، حيث يتحول المجتمع إلى ساحة للصراعات العشوائية بدلاً من الحوار المؤسساتي.
التحدي اليوم هو إعادة إحياء السياسة كفضاء للتعبير عن الإرادة الشعبية، وإلا فإننا سنظل محاصرين بين خيارين لا يقل أحدهما سوءًا عن الآخر.
الانتخابات التشريعية المقبلة: هل يكون قدر الناخب المغربي الاختيار ما بين الطاعون والكوليرا؟







