ما تزال تداعيات قرارات الإعفاء الجماعي التي طالت 16 مديرًا إقليميًا بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة تُلقي بظلالها على المشهد التعليمي، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على تنفيذها. ومع تزايد المطالب بتوضيحات رسمية حول خلفيات القرار، جاء جواب الوزارة على سؤال برلماني ليعيد الموضوع إلى واجهة النقاش، مكتفية بالتأكيد على أن الخطوة تندرج ضمن “ممارسة إدارية اعتيادية” تستند إلى تقييم موضوعي للأداء التربوي والتدبيري.
الوزارة، في ردها على سؤال كتابي للنائب محمد والزين عن الفريق الحركي، شددت على أن إنهاء المهام أو تنقيل بعض المديرين الإقليميين ليس أمراً طارئاً، بل يدخل في سياق منهجية معمول بها منذ سنوات، وغالبًا ما تشمل أعدادًا تفوق ما تم تسجيله مؤخرًا. وأوضحت أن المعنيين بالقرار ثبت، وفق تقارير تفتيش، عدم قدرتهم على مواكبة متطلبات الإصلاح التربوي الجاري، نافية أن يكون في الخطوة أي انتقاص من مجهوداتهم السابقة، أو دلالة على تقصير شخصي.
لكن هذه التبريرات لم توقف الأسئلة التي رافقت موجة الإعفاءات منذ مارس الماضي، والتي وُصفت في حينها من قبل مصادر تعليمية ونقابية بـ”غير المسبوقة” من حيث العدد والتوقيت، خاصة أنها طالت مسؤولين عن مديريات استراتيجية بعد فترة قصيرة من بدء تنزيل مشاريع كبرى ضمن خارطة الطريق 2022-2026، وفي مقدمتها مشروع “مدرسة الريادة”.
مصادر مطلعة من داخل الوزارة كانت قد أكدت حينها أن العملية شملت أيضاً نقل سبعة مديرين إقليميين، وتغطية الشغور في 11 مديرية، مع فتح باب التباري لشغل 27 منصباً إقليمياً، مشيرة إلى أن الإعفاءات تمت بناءً على تقييمات تشاركية شاركت فيها المفتشية العامة ومديرو الأكاديميات، في ما بدا أنه محاولة لتعزيز حكامة الأداء وتسريع وتيرة الإصلاح. مع ذلك، لم تُقدَّم توضيحات فردية حول أسباب إعفاء كل مدير على حدة، ما أبقى الباب مفتوحاً أمام التأويلات.
النقابات التعليمية من جهتها عبّرت عن مخاوفها من أن تكون هذه القرارات قد اتُخذت دون سند موضوعي شفاف، مطالبة الوزارة بالكشف عن التقارير التي استندت إليها، وتوضيح ما إذا كانت الإعفاءات مرتبطة فعليًا بإخفاقات تدبيرية، أم تدخل في إطار إعادة هيكلة داخلية مرتبطة بتغيير القيادة السياسية للقطاع.
ورغم نفي الوزارة لأي علاقة بين الإعفاءات وتقارير المجلس الأعلى للحسابات، فقد أشارت مصادر نقابية إلى أن بعض التقارير المفتشية الداخلية تضمنت إشارات إلى تعثر في تنزيل المشاريع التربوية، خاصة في المديريات التي شملها القرار، غير أن جهات أخرى داخل القطاع رأت في الخطوة تصفية لإرث المرحلة السابقة أكثر منها تدبيرًا تقنيًا خالصًا.
وتأتي هذه القرارات في سياق منظومة جهوية للتربية والتكوين، تعتمد نظام اللامركزية الإدارية، حيث تتمتع الأكاديميات الجهوية بصلاحيات موسعة، فيما تظل المديريات الإقليمية مصالح خارجية تابعة لها. وضع قانوني يجعل المدير الإقليمي في موقع تنفيذ أكثر منه موقع قرار، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى منطقية تحميلهم مسؤولية إخفاقات قد تتجاوز صلاحياتهم الفعلية.
وبينما تؤكد الوزارة تشبثها بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ترى أصوات من داخل القطاع أن إصلاح التعليم يتطلب مقاربة شمولية، لا تقتصر على تغييرات إدارية ظرفية، بل تشمل مراجعة معمقة لبنية التسيير والتدبير داخل القطاع، وتوفير شروط النجاح الفعلي للمشاريع الإصلاحية، بدل الاقتصار على تغيير الوجوه دون معالجة الأعطاب الهيكلية.







