في قلب جماعة سلفات، بإقليم سيدي قاسم، وعلى بعد كيلومترات من أقرب مركز حضري، يقع دوار أولاد مريم عين بني كثير. قرية مغربية تنتمي إداريًا لجهة الرباط سلا القنيطرة، لكنها تعيش واقعًا مختلفًا تمامًا عن الصورة المرسومة لمغرب يخطو نحو التنمية الشاملة.
أول ما يصدم الزائر هو العطش. في زمن تتحدث فيه الدولة عن برامج لتعميم الماء الصالح للشرب في الوسط القروي، ما زال سكان هذا الدوار يعيشون على أمل شاحنة صهريجية تأتيهم مرة واحدة في الأسبوع، وأحيانًا أقل. المفارقة أن الماء الذي يُوزع عليهم غير صالح للشرب، مما يضطرهم لتخزينه أو البحث عن بدائل بعيدة، عبر التنقل على ظهر الحمير أو البغال لمسافات طويلة، في درجات حرارة خانقة.
أزمة مياه بلا أفق
“نعيش بعطش دائم.. الماء الذي يأتينا لا يكفي أطفالنا، ولا يسقي مواشينا. نموت عطشًا ونحن لا نطلب المستحيل”، يقول أحد سكان الدوار، وهو يشير إلى “السقاية” التي تم بناؤها منذ شهور ولم يتم تشغيلها بعد. مجرد هيكل إسمنتي، بلا صنابير، بلا حياة.
أما الماشية، التي تمثل مصدر رزق رئيسي لأغلب الأسر، فتموت عطشًا، مما يزيد من معاناة الساكنة، ويقوّض كل إمكانية لتحسين الوضع المعيشي أو الفلاحي.
طريق معطلة، تنمية مغيبة
أزمة الماء ليست الوحيدة. فالطريق المؤدية إلى الدوار غير معبدة، والمسالك داخل القرية أشبه بممرات وعرة لا تسمح بمرور السيارات. الوصول إلى المدرسة أو السوق الأسبوعي مغامرة يومية، خاصة للأطفال والنساء. والمفارقة أن “التراكتور” هو وسيلة التنقل الوحيدة في عدد من الحالات المستعجلة.
إضافة إلى ذلك، فإن عشرات الهكتارات من الأراضي لا تستفيد من أي مشروع سقي أو دعم فلاحي. ويشعر السكان أن قريتهم “منسية من المخططات التنموية”، بل إن بعضهم يصف الوضع بـ”العقاب التنموي الجماعي”.
النداءات مستمرة والصمت كذلك
منذ عام 2023، توجهت الساكنة بعدة شكايات إلى مختلف المسؤولين: وزير التجهيز والماء، عامل الإقليم، رئيس الجهة، رئيس الجماعة… لكن لا شيء تغير. الرسائل لم تجد صدى، ومعاناة الدوار لم تحظَ بأي زيارة ميدانية رسمية.
في مقابل ذلك، تستمر الأزمة، وتزداد حدة مع توالي مواسم الجفاف وارتفاع درجات الحرارة. ويزداد معها شعور السكان بالخذلان والنسيان، وهم يرون مشاريع الماء والسقي تنجز في مناطق مجاورة، بينما هم خارج كل خريطة.
صرخة من الهامش
اليوم، يرفع سكان دوار أولاد مريم صوتهم مجددًا. يطالبون بما يرونه “حقهم الدستوري”: ماء صالح للشرب، طريق معبدة، وفك العزلة. وهي مطالب إنسانية بسيطة، لكنها تمثل الفرق بين الحياة والاختناق، بين الكرامة والتهميش.
من قلب دوار أولاد مريم، هذه دعوة لكل من بيده القرار: لا تتركوا القرى تنسى.. فالمغرب لا يُبنى فقط في المدن، بل من هنا، من هذه القرى التي عطشت طويلاً يقول أحد أبناء الدوار.







