أفادت مؤسسة وسيط المملكة في تقريرها السنوي برسم سنة 2024، الذي اطلعت عليه “نيشان”، أن حجم الإقبال على خدماتها شهد منحى تصاعدياً يعكس اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والإدارة، ويؤشر في الآن ذاته على تحول المؤسسة إلى ملاذ مؤسسي للإنصاف الإداري في ظل تعثر مسالك التقاضي أو غياب التفاعل التلقائي من طرف المرافق العمومية.
التقرير، الذي رُفع إلى الملك محمد السادس ونُشر في الجريدة الرسمية، قدّم تشخيصاً مفصلاً للاختلالات البنيوية التي تشوب علاقة الإدارة بالمرتفق، داعياً إلى مراجعة جذرية لمنظومة الحكامة العمومية على ضوء ما وصفه بـ”الطلب الاجتماعي المتزايد على العدل الإداري”.
واستعرض التقرير حصيلة غير مسبوقة في عدد الملفات المسجلة، بلغت 6626 ملفاً، شكّلت منها ملفات التظلم 72.4%، بينما توزعت النسبة المتبقية بين طلبات التوجيه والتسوية الودية، في دلالة واضحة على عمق المآزق اليومية التي يعيشها المواطن أمام الإدارة، من غموض المساطر إلى تعنت بعض المسؤولين في تنفيذ القرارات أو الاستجابة للمراسلات. اللافت، بحسب الوثيقة، أن الملفات الأكثر وروداً تمحورت حول مواضيع ذات طابع إداري ومالي وعقاري، ما يسلط الضوء على طبيعة النزاعات المتكررة التي لا تجد سبيلاً للحل إلا بعد التظلم.
ومن جهة أخرى، لاحظ التقرير استمرار ما وصفه بـ”جمود تجاوب بعض الإدارات” مع توصيات المؤسسة، بل أشار صراحة إلى وجود قطاعات لا تتفاعل إلا تحت الضغط، وهو ما يفرغ آلية الوساطة من مضمونها الإصلاحي ويحوّلها إلى جهاز تحكيمي في مواجهة إدارة ترفض الإصغاء. ودعت المؤسسة، في هذا الصدد، إلى تكريس مبدأ الالتزام المؤسساتي بالتوصيات الصادرة عنها، كجزء من تفعيل الطابع الدستوري للوساطة وتعزيز مكانتها داخل النسق الإداري.
وفي ما يخص ملامح طالبي الوساطة، رصد التقرير معطيات ديمغرافية لافتة: 83% من الملفات تأتي من أشخاص ذاتيين، ما يكشف ضعف الوعي الجماعي بأدوار المؤسسة. كما سجّل التقرير تفاوتاً صارخاً في الحضور النسائي، إذ لم تتجاوز نسبة النساء 24.6% من مجموع طالبي الوساطة، مقابل هيمنة الذكور بنسبة فاقت 75%، ما يدق ناقوس الخطر بشأن استمرار معيقات غير منظورة تحول دون استفادة النساء من آليات الإنصاف، سواء لأسباب ثقافية أو إجرائية.
وسجل التقرير، أيضاً، ضعف تمثيل مغاربة العالم، رغم تزايد حالات التظلم في صفوفهم، إذ لم تتجاوز الملفات الواردة من الخارج 6.3%، ما يطرح تحديات تتعلق بولوجهم الرقمي والإداري إلى المؤسسة، ويستدعي تعزيز التنسيق مع القنصليات والبعثات الدبلوماسية.
من جانب آخر، سلّط التقرير الضوء على أهمية التوجيه القانوني كوظيفة ناشئة للمؤسسة، لاسيما بعد تزايد عدد المواطنين الذين يقصدون الوسيط بقضايا لا تندرج ضمن نطاق اختصاصه، وهو ما يبرز الحاجة إلى تقوية الأدوار التأطيرية والتوعوية للمؤسسة، وتوسيع قاعدة الوعي القانوني لدى المرتفقين.
ووقف التقرير طويلاً عند بعض التظلمات الخاصة، كعدم تنفيذ الأحكام القضائية، والتأخر في صرف تعويضات زلزال الحوز، وهي حالات قال عنها التقرير إنها تعكس ليس فقط اختلالات مسطرية، بل اختلالات في روح العدالة ذاتها، لأن الإدارة التي لا تنفذ أحكام القضاء، أو تتباطأ في الاستجابة لحالات استثنائية، تفقد مشروعيتها الأخلاقية في نظر المواطن.
وختمت مؤسسة وسيط المملكة تقريرها بالدعوة إلى إعادة تأهيل العلاقة بين الدولة ومواطنيها، ليس فقط عبر تحسين جودة الخدمات، بل عبر إعادة تعريف وظيفة الإدارة كمرفق في خدمة العدالة والإنصاف، وليس كسلطة قائمة على الردع والتماطل.







