في لحظة سياسية مشحونة بالانتظارات والتكهنات، جاء خطاب العرش لهذا العام ليضع حدا لأي غموض أو ارتباك قد يطبع المشهد السياسي المغربي قبيل محطة 2026. الملك محمد السادس، وبلهجة حاسمة، أكد أن الانتخابات التشريعية المقبلة ستُجرى في موعدها الدستوري والقانوني، دون تأجيل أو ارتباك. ليس ذلك فقط، بل شدد على ضرورة جاهزية المنظومة القانونية المؤطرة لهذه الانتخابات قبل متم السنة الجارية، داعيًا إلى فتح مشاورات سياسية مبكرة، عهد بها إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت.
إشارات ملكية… وحراك سياسي قادم
الخطاب الملكي، الذي ألقاه الملك مساء الثلاثاء من مدينة تطوان بمناسبة الذكرى 26 لتوليه العرش، يحمل إشارات واضحة إلى أن الدولة عازمة على تنظيم انتخابات 2026 في ظروف عادية ومنتظمة، بعيدا عن منطق التأجيل أو التعديل الذي ساد بعض النقاشات السياسية مؤخرا في الكواليس، خاصة مع تصاعد الانتقادات لأداء “حكومة عزيز أخنوش” واحتدام الجدل داخل الأحزاب.
ويبدو أن حديث الملك عن وجوب “اعتماد المنظومة القانونية المؤطرة للانتخابات قبل نهاية السنة” ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو تذكير سياسي مباشر بضرورة احترام التوقيت الدستوري، وقطع الطريق على أي تأويلات يمكن أن تفتح باباً لتأجيل الاستحقاقات.
نحو توافق سياسي أم صدام مصالح؟
في هذا السياق، قال الباحث في العلوم السياسية، الدكتور عبد السلام المزواري الإدريسي، في تصريح لموقع نيشان، إن “الرسالة السياسية في خطاب العرش هذه السنة واضحة للغاية. لا تأجيل للانتخابات، ولا مراجعة لقواعد اللعبة في آخر لحظة. المطلوب الآن هو الإعداد المبكر، والبحث عن التوافقات الضرورية داخل المشهد الحزبي، وتجاوز منطق الحسابات الضيقة”.
ويضيف المزواري أن الملك أعاد التوازن للزمن السياسي، في وقت كانت بعض الأطراف تراهن على تمديد غير معلن لعمر الحكومة أو تعديل في قوانين الانتخاب لتناسب موازين القوى المتغيرة.
من جهته، اعتبر أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، محمد أيت حجي، أن “تكليف وزير الداخلية بفتح المشاورات السياسية هو بمثابة إعادة إحياء للدينامية التشاورية التي سبقت انتخابات 2021، لكنها هذه المرة تأتي مبكراً، وربما بهدف تدارك الأعطاب السياسية التي أفرزت حكومة هشّة في التكوين وفاقدة للبوصلة في الأداء”.
السياق لا يقل أهمية عن الخطاب
بعيداً عن مضمون الخطاب، فإن توقيته وسياقه لا يقلان أهمية. فالانتخابات المقبلة تأتي في ظل تآكل ملحوظ في الثقة الشعبية، وتزايد الاحتجاجات الاجتماعية، وتضخم الخطاب الشعبوي في الشارع والمنصات الرقمية. كما أن الفاعلين الحزبيين يعانون من هشاشة تنظيمية وفقدان للرؤية السياسية، ما يضعهم أمام امتحان عسير في التعبئة وتقديم البدائل.
وهو ما أكده “أيت حجي”، في تصريحه لموقع نيشان، قائلاً “الملك أعطى توجيهات واضحة للإعداد الجيد، لكن هل الطبقة السياسية جاهزة فعلاً لهذه المحطة؟ هل نحن أمام أحزاب مؤهلة لخوض مشاورات سياسية حقيقية، أم مجرد سباق للحصول على مقاعد؟”.
ماذا بعد الخطاب؟
من المرتقب أن تشهد الأسابيع المقبلة تحركات مكثفة للأحزاب السياسية، التي ستجد نفسها أمام ضرورة توحيد الرؤى بشأن القوانين الانتخابية، من عتبة التمثيل إلى نمط الاقتراع، مرورًا بالتقطيع الانتخابي وتمويل الحملات. وفي ظل الغموض الذي ما زال يلف مواقف بعض الأحزاب الكبرى، فإن دور وزارة الداخلية في بناء توافقات متوازنة سيكون حاسماً.
لكن الأكيد أن العنوان العريض اليوم، والذي رسمه الملك بوضوح، هو “الانتخابات التشريعية 2026 قائمة في موعدها… ولن يُسمح بتأجيلها”.







