في وقت تتزايد فيه التحذيرات من إنهاك الميزانية العمومية بسبب الالتزامات المرتبطة بتنظيم كأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، كشفت تقارير إعلامية فرنسية عن مساعٍ مغربية متقدمة لإنجاز مشروع ضخم بقيمة 1.2 مليار دولار لبناء حلبة لسباقات الفورمولا 1 جنوب مدينة طنجة، في إطار خطة تستهدف إعادة إدراج المغرب ضمن خارطة الرياضات الميكانيكية العالمية، بعد غياب إفريقي عن المسابقة منذ سنة 1993.
المشروع الذي وُصف بـ”الفرعوني” من قبل المصادر ذاتها ، لا يقتصر على حلبة سباق بمواصفات الدرجة الأولى المعتمدة من الاتحاد الدولي للسيارات، بل يمتد إلى إقامة منشآت فندقية، متنزهات ترفيهية، مارينا بحرية، ومركز لوجستي، على مساحة شاسعة تبعد 20 كيلومتراً عن طنجة، في موقع يُراهن عليه القائمون على المشروع كميزة لوجستية لتقريب الفورميلا 1 من أوروبا.
وتؤكد مصادر متطابقة إن المشروع أُحيل خلال الأشهر الأخيرة على السلطات المغربية من أجل الموافقة الرسمية، وقد جرى تعبئة 800 مليون دولار من الاستثمارات الخاصة، في انتظار استكمال الغلاف المالي المتبقي. ويتوقع أصحابه توفير 10 آلاف فرصة شغل مباشرة وغير مباشرة، والانتهاء من الأشغال في غضون ثلاث سنوات.
غير أن المشروع، في شكله الحالي، يثير جدلاً واسعًا بين من يعتبره واجهة جديدة لترويج صورة المغرب في الخارج، وبين من يحذر من استنزاف موارد الدولة في مشاريع ذات جدوى اقتصادية واجتماعية محدودة. ففي الوقت الذي تروج فيه بعض الأطراف لهذا النوع من المشاريع بوصفه دليلًا على الجاذبية الاستثمارية والرياضية للمغرب، تُنبه جهات أخرى إلى أن “تراكم هذه المشاريع ذات الكلفة العالية قد يُعمّق من الضغوط المالية ويحول دون تلبية أولويات أكثر إلحاحًا، في مجالات مثل التعليم والصحة”، وفق تعبير أحد المراقبين.
ويُشرف على المشروع الفرنسي إريك بولييه، المدير السابق لفريقي ماكلارين ولوتس، الذي سبق أن أدار تنظيم جائزة فرنسا الكبرى بين 2018 و2022. ويعتبر بولييه أن المشروع يُحقق ما وصفه بـ”الطموحات المعلنة للفورمولا 1 في إفريقيا”، مشيرًا إلى قرب الموقع من ميناء طنجة المتوسط وإسبانيا كعنصر جاذب على مستوى البنية التحتية.
لكن خبراء مغاربة في الاقتصاد والسياسات العمومية، يطالبون بتقييم دقيق وشفاف للجدوى الحقيقية من هذا النوع من المشاريع. ويقول أحد الخبراء في تصريح لمجة فرنسية “ليس من المنطقي أن تُخصّص مئات الملايين من الدولارات لمشاريع نخبوية في وقت تعاني فيه مناطق واسعة من البلاد من الهشاشة. المسألة لا تتعلق برفض الرياضة أو التظاهرات الكبرى، بل بترتيب الأولويات وفق المصلحة العامة”.
وبينما يسعى المغرب، إلى جانب دول إفريقية أخرى مثل جنوب إفريقيا ورواندا، للعودة إلى روزنامة “الفورميلا وان”، لا تزال المنافسة قائمة على نيل ثقة منظمي البطولة. وكان آخر سباق أُقيم في إفريقيا هو جائزة كيالامي الكبرى بجنوب إفريقيا عام 1993، بينما لم ينظم المغرب أي سباق ضمن الفورمولا 1 منذ دورة واحدة في الدار البيضاء سنة 1958.
ومع انخراط المغرب في تحضيرات مكلفة لتنظيم تظاهرتين رياضيتين بحجم كأس إفريقيا 2025 ومونديال 2030، يرى مراقبون أن “الحديث عن مشروع جديد بمليارات الدراهم لا يمكن فصله عن النقاش الدائر حول الخيارات الاقتصادية الكبرى”، خصوصًا في ظل تزايد مؤشرات الهشاشة الاجتماعية والضغط على النفقات العمومية.







