رغم إعلان شركة “غلوفو المغرب” قبل يومين عن توقيع اتفاق تسوية مع مجلس المنافسة بقيمة 36 مليون درهم سنوياً ( حوالي 4 مليار سنتيم)، وما رافقه من تعهدات بدعم عمال التوصيل المستقلين وتحسين شروط عملهم، فإن أصواتاً أكاديمية ومهنية عادت لتكشف الوجه المظلم لهذه المنصة الرقمية التي فرضت نفسها خلال السنوات الأخيرة كلاعب رئيسي في سوق التوصيل بالمغرب، وذلك عبر نماذج تشغيل توصف بكونها هجينة، تستغل هشاشة الشباب المغربي وتتحايل على الإطار القانوني للشغل.
الخبير الاقتصادي وأستاذ التعليم العالي، إدريس الفينة، وصف ما يجري داخل شركة “غلوفو” بـ”الإخلال بالعقد الاجتماعي”، مشدداً على أن آلاف الشباب المغاربة العاملين في المنصة يُدفعون إلى العمل في شروط تفتقر لأبسط مقومات الكرامة المهنية. وفي تدوينتين نشرهما على صفحته بموقع فيسبوك، رسم الفينة صورة قاتمة لواقع الموزعين العاملين تحت راية “الاقتصاد الجديد”، موضحاً أن ما يُقدَّم على أنه عمل مرن ومستقل ليس سوى نمط مقنّع من العمل غير المهيكل.
ووفق الفينة، لا توفر الشركة أي تغطية اجتماعية أو حماية قانونية لهؤلاء الموزعين، الذين يُجبرون على استخدام وسائلهم الخاصة من دراجات ووقود وصيانة واتصال، فضلاً عن تكليفهم بجمع الأموال من الزبائن لصالح الشركة، دون أي تأمين ضد المخاطر أو الحوادث. أما الأجر، فيبقى في حدود 15 إلى 25 درهمًا للتوصيلة، ما يجعل الدخل الشهري لا يتجاوز في أحسن الأحوال 3500 درهم، رغم ساعات العمل الطويلة التي تتجاوز أحيانًا 10 ساعات يوميًا.
ويضيف الخبير الاقتصادي أن منصة “غلوفو” تفرض آلية تقييم آلي متحكمة تُتيح لها إغلاق حساب أي موزع بشكل نهائي ودون حق الاعتراض، عند أول تأخير أو تقييم منخفض، مما يعكس حالة من الهيمنة الرقمية التي لا تتيح أي مجال للإنصاف أو الإنصات للطرف الأضعف.
الأخطر، حسب الفينة، أن “غلوفو” تتعامل مع عمالها على أساس أنهم “مقاولون ذاتيون”، ما يُعفيها من أي التزام قانوني أو اجتماعي، ويجعل العامل يتحمل وحده تبعات الحوادث والمخاطر اليومية. وقد عبّر عن ذلك موزع تحدث إليه الخبير قائلاً: “لا توجد علاقة قانونية… طلبوا مني فقط التسجيل كمقاول يعمل لحسابهم الخاص”، وهي صيغة، يضيف الفينة، تحولت إلى آلية متكررة للتحايل على التزامات المشغّل.
هذه الشهادات تأتي في وقت أعلنت فيه “غلوفو” أنها توصّلت إلى اتفاق رسمي مع مجلس المنافسة، يهدف إلى طيّ صفحة التحقيقات حول مدى احترامها لمبادئ التنافس الحر في قطاع توصيل الوجبات، وقدمت الشركة هذا الاتفاق كخطوة تعكس “حرصها على الشفافية” وتطوير شروط عمل “الشركاء المستقلين”.
من بين الإجراءات المعلنة، إدخال تعديلات على الاتفاقات التجارية مع المطاعم، وتخصيص حوالي 31 مليون درهم سنويًا لدعم عمّال التوصيل، إلى جانب إحداث صندوق اجتماعي بخمسة ملايين درهم لتوفير منح دراسية وتكوين مهني لفائدتهم. كما تعهدت بإرساء نظام تأمين وتقديم برامج لتعزيز وعي العمال القانوني.
لكن بالنسبة لعدد من المتتبعين، فإن هذه التعهدات، رغم أهميتها على الورق، تبقى غير كافية ولا تمس جوهر الإشكال،والمتعلق بغياب اعتراف قانوني واضح بالعمال كأجراء يستفيدون من كل الحقوق المهنية، وليس كـ”مقاولين مستقلين” تُلقى عليهم كامل المسؤولية.
ويحذّر الفينة من أن ما تقوم به “غلوفو” ليس حالة معزولة، بل هو جزء من ظاهرة أكبر تستغل الغموض القانوني المحيط بالعمل الحر والمنصات الرقمية، وتحولها إلى أدوات لتفكيك الشغل المستقر وتحويله إلى علاقات تجارية هشة، قائلاً: “تم تشويه مفهوم المقاول الذاتي الذي وُضع أساسًا لتشجيع المبادرات الفردية، ليُصبح وسيلة لتقنين الاستغلال”.







