في أول توضيح رسمي لحادثة السير المأساوية التي شهدتها الطريق الجهوية رقم 114 بين أكادير وتارودانت في فبراير من العام الماضي، والتي أعادت إلى الواجهة مأساة النقل المزدوج لليد العاملة الزراعية، كشفت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات عن تفاصيل جديدة تميط اللثام عن تشابك المسؤوليات في الملف. فالمشغّل المباشر للضحايا الثلاثة، الذين لقوا حتفهم وأصيب عشرة آخرون بجروح، لم يكن مالك الضيعة التي كانوا متجهين إليها، بل شخص آخر اقتنى محصول “الجلبانة” واستقدمهم لجنيها، قبل أيام قليلة من الفاجعة، ما عقد مسار تحديد المذنب وضمان التعويضات.
الوزارة أوضحت، في جوابها على سؤال برلماني، أن تحقيقاتها الميدانية بتنسيق مع السلطات المحلية وسرية الدرك الملكي أظهرت أن هذا المشغّل المؤقت كان يعتمد على سائق سيارة نفعية لجلب العمال من أولاد تايمة، دون أن يتوفر على مقر ثابت أو نشاط مقيد رسمياً، وهو ما دفع المديرية الإقليمية للشغل بمراسلته في عنوانه الشخصي لإلزامه بتقديم ما يثبت احترامه لمقتضيات القانون رقم 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل. وعند انتقال مصالح الوزارة إلى الضيعة المستهدفة، لم تعثر على أي نشاط قائم، بينما أكد مالك الأرض أنه باع المحصول قبل أربعة أيام من الحادثة.
الواقعة التي فجّرت الجدل جرت صباح 13 فبراير 2024، حين فقد السائق السيطرة على السيارة، لتنقلب وهي تقل أربعة عشر عاملاً وعاملة في رحلة محفوفة بالمخاطر نحو الحقول، ما أسفر عن وفيات وإصابات نقل أصحابها إلى مستشفى القرب بأولاد تايمة. الحادثة لم تكن سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الكوارث المماثلة التي تشهدها طرقات تارودانت والمناطق الزراعية، كان آخرها قبل ثلاثة أشهر فقط حين لقيت أربع عاملات زراعيات مصرعهن في انقلاب “بيكوب” بنواحي مشرع العين، بعد انفجار إحدى العجلات واصطدام المركبة بسيارة قادمة من الاتجاه المعاكس، في مشهد وصفه الشهود بالـ“هوليودي”، وأدخل خمس أخريات إلى الإنعاش.
ورغم هذه التكرارات الدموية، تقول الوزارة إن جهاز تفتيش الشغل يواصل مهامه لفرض التشريعات الخاصة بالصحة والسلامة المهنية، مستنداً إلى مرسوم يلزم المشغّلين بتوفير وسائل نقل آمنة عند غياب النقل العمومي. وتشير أرقام 2023 إلى أكثر من 52 ألف زيارة مراقبة، منها ما يقارب ألفي زيارة للقطاع الفلاحي، أسفرت عن آلاف الملاحظات المتعلقة بالأجور والحماية الاجتماعية وشروط السلامة، في محاولة لتقليص الانتهاكات التي تجعل الطريق إلى الحقول محفوفة بالموت.
وتشدد الوزارة على أنها تتابع هذه الملفات حتى حصول الضحايا وذويهم على حقوقهم كاملة، سواء عبر مسطرة الصلح مع شركات التأمين أو عبر القضاء، لكن الحوادث المتلاحقة تجعل السؤال أكثر إلحاحاً، من يوقف نزيف الأرواح في سيارات النقل المزدوج التي تتحول، في كل موسم فلاحي، إلى نعوش جماعية تسير على الطرقات.







