مع اقتراب الدخول المدرسي المقرر مطلع شهر شتنبر الوشيك، عاد الجدل حول غلاء رسوم المدارس الأجنبية الخاصة بالمغرب إلى الواجهة، بعدما تحولت هذه المؤسسات إلى عبء مالي خانق يستنزف ميزانيات الأسر سنة بعد أخرى. وبينما تقدم نفسها كخيار تعليمي عالي الجودة يفتح أبواب المستقبل أمام التلاميذ، تكشف الأرقام أن تكاليفها تنافس، بل وتفوق أحياناً، كلفة متابعة الدراسة في جامعات أوروبية مرموقة.
وبحسب مصادر متطابقة، فإن شبكة المدارس الفرنسية التابعة لـ”AEFE” تفرض رسوماً تختلف حسب جنسية التلميذ، إذ يؤدي الفرنسيون حوالي 37 ألف درهم سنوياً، مقابل 46 ألف درهم للجنسيات الأخرى، إضافة إلى رسوم تسجيل أولي تتراوح بين 25 و30 ألف درهم. أما في ثانوية ليوطي الشهيرة بالدار البيضاء، فتقفز الكلفة إلى 55 ألف درهم، لتصل في الأقسام التحضيرية بالرباط وطنجة إلى ما يفوق 70 ألف درهم.
ووفقاً لما استقاه موقع “نيشان” من معطيات، فإن شبكة “OSUI” التابعة للبعثة العلمانية الفرنسية رفعت بدورها رسوم التسجيل إلى 50 ألف درهم، فيما تجاوزت مصاريف التمدرس في المرحلة الثانوية 73 ألف درهم. وفي المدرسة الفرنسية الدولية بالدار البيضاء، تتراوح المصاريف بين 52 ألف درهم في الروضة و69 ألف درهم في الثانوي.
المدارس الأمريكية من جهتها لا تقل تكلفة، بل تكاد تكون الأكثر استنزافاً. ففي “Casablanca American School”، تقترب رسوم سنة واحدة في الثانوية من 160 ألف درهم، إضافة إلى 50 ألف درهم كرسوم تسجيل للطفل الأول. أما “George Washington Academy”، فتحدد رسومها في 91 ألف درهم لمرحلة الروضة و163 ألف درهم في الثانوية، ما يجعلها حكراً على عائلات النخبة وأصحاب المداخيل العليا.
وعلى النقيض، تبدو بعض البعثات الأوروبية الأخرى أقل تكلفة نسبياً. ففي المدرسة الإسبانية بالدار البيضاء والرباط، لا تتجاوز المصاريف السنوية 15 ألف درهم، بينما تعرض البعثة الإيطالية أسعاراً تتراوح بين 22 ألف درهم في التعليم الأولي و35 ألف درهم في الثانوي العلمي. غير أن انتشار هذه المؤسسات محدود جداً، وطاقة استيعابها لا توازي الطلب المتزايد من الأسر المغربية الباحثة عن بدائل.
المفارقة، بحسب خبراء في التربية، أن كلفة هذه المؤسسات داخل المغرب تتجاوز أحياناً ما تدفعه الأسر إذا أرسلت أبناءها للدراسة بالخارج. فجامعات عمومية في فرنسا أو إسبانيا لا تتعدى رسومها السنوية 3 آلاف يورو، أي حوالي 33 ألف درهم، مع إمكانية الاستفادة من منح ومساعدات اجتماعية، بينما تتجاوز فاتورة سنة واحدة في مدرسة أمريكية خاصة بالدار البيضاء 160 ألف درهم. حتى بعض الجامعات البريطانية المرموقة لا تكلف أكثر من 120 ألف درهم سنوياً، وهو مبلغ أقل مما تطلبه بعض المؤسسات الثانوية بالمغرب.
هذا الوضع، وفق جمعيات لأولياء التلاميذ، يضع الأسر بين خيارين أحلاهما مر، التضحية بجزء كبير من دخلها لضمان تعليم أجنبي لأبنائها، أو الاكتفاء بالمدرسة العمومية التي تعاني من اكتظاظ ونقص في الأطر وضعف في البنيات التحتية. وبينما تبرر إدارات المدارس ارتفاع الأسعار بكلفة الأساتذة الأجانب وجودة المناهج، يتواصل النقاش حول غياب أي تأطير قانوني يحدد سقف الرسوم أو يفرض شفافية في تبريرها، ما يجعل التعليم الجيد في المغرب أقرب إلى امتياز طبقي لا يحظى به إلا من يملك القدرة على الدفع، تقول المصادر.







