تتجه العلاقات المالية بين المغرب والاتحاد الأوروبي نحو منعطف معقّد، بعدما شرع التوجيه الأوروبي المعروف بـCRD6 في فرض قواعد تنظيمية موحدة وصارمة على فروع البنوك الأجنبية داخل القارة. وبحسب خبراء ماليين، فإن هذا التشريع، الذي اعتمد رسميًا صيف العام الماضي ودخل حيز التنفيذ في يوليوز 2024، يهدد بشكل مباشر تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، التي بلغت 117,7 مليار درهم خلال سنة 2024 مقابل 115 مليارًا في السنة التي سبقتها.
ووفقا لمذكرة تحليلية صادرة عن مؤسسة BMI-Fitch Solutions، فإن البنوك المغربية العاملة في فرنسا وبلجيكا وإسبانيا ستكون من بين المتضررين الأوائل. فبموجب التوجيه الجديد، لن تعود هذه الفروع خاضعة للقانون الوطني لكل دولة أوروبية على حدة، بل لقواعد موحدة يفرضها الاتحاد، ما يعني تكاليف إضافية ضخمة تتعلق بإعادة هيكلة الأنظمة الداخلية، والاستثمار في تكنولوجيا التقارير، والامتثال لمعايير أكثر تشددًا.
وبحسب المصدر نفسه، فإن التوجيه يمنح للمشرفين الأوروبيين صلاحية إلزام الفروع الأجنبية بالتحول إلى شركات تابعة إذا تجاوزت أصولها سقف 10 مليارات يورو داخل دولة عضو واحدة أو 40 ملياراً على مستوى الاتحاد. ومن شأن هذا التوجه أن يرفع من المخاطر الاستراتيجية على البنوك المغربية، وأن يضعها أمام احتمال اضطرارها لمغادرة بعض الأسواق الأوروبية، وهو ما ستكون له انعكاسات مباشرة على تدفقات تحويلات الجالية نحو المغرب.
من جهة أخرى، تؤكد معطيات بنك المغرب أن هذه التحويلات تمثل أحد أعمدة استقرار الاقتصاد الوطني، إذ تشكل مصدرًا أساسيًا للعملة الصعبة وتساهم في توازن ميزان الأداءات. وفيما يتعلق بتحركات السلطات المغربية لمواجهة هذه المستجدات، فقد بادر بنك المغرب، بتنسيق مع وزارتي المالية والخارجية والبنوك المعنية، إلى تشكيل فريق عمل خاص للدفاع عن المصالح الوطنية لدى المؤسسات الأوروبية.
وفي السياق ذاته، كان من المنتظر أن يفضي لقاء ثنائي مع الخزانة الفرنسية في يوليوز الماضي إلى صيغة توافقية بشأن تنزيل التوجيه، غير أن أي اتفاق نهائي لم يُعلن عنه إلى اليوم، ما يترك الملف مفتوحاً على كل الاحتمالات.
وبحسب محللين لدى Fitch Solutions، فإن هذه الإجراءات قد تضر بسمعة البنوك المغربية على المدى القريب وتزيد من أعبائها المالية، لكنها قد تحمل في المقابل منفعة بعيدة المدى تتمثل في توحيد القواعد التنظيمية، بما قد يسهل التوسع العابر للحدود في السوق الأوروبية مستقبلاً. غير أن هذا السيناريو يبقى رهيناً بقدرة هذه المؤسسات على استيعاب الكلفة الأولية الباهظة والتكيف مع نظام أوروبي أكثر صرامة وأقل مرونة.
في المحصلة، وبينما تقترب مهلة يناير 2026 التي يتعين فيها على الدول الأعضاء إدماج التوجيه في قوانينها الوطنية، يتصاعد القلق في الرباط من أن تجد البلاد نفسها أمام تقلص كبير في تحويلات الجالية، وهو ما من شأنه أن يربك استقرار الاقتصاد الوطني ويمس مباشرة بمعيش ملايين الأسر المغربية.







