رصد التقرير السنوي لمجلس المنافسة برسم سنة 2024، الذي رفعه رئيس المجلس أحمد رحو إلى الملك محمد السادس، اختلالات بنيوية عميقة تمس أسواق الغذاء والكهرباء والأعلاف، مؤكدًا أن استمرار هذه الأعطاب يفاقم التكاليف ويضعف الشفافية ويضغط على القدرة الشرائية للمغاربة. ودعا المجلس إلى إصلاح شامل يعيد هيكلة منظومات التسويق والإمداد، ويضع قواعد منافسة أوضح وأكثر صرامة.
ففي أسواق الخضر والفواكه، أبرز التقرير أن طول وتعقيد المسالك التسويقية وتعدد الوسطاء وضعف المعايير يجعل الأسعار النهائية بعيدة عن واقع العرض والطلب، وهو ما يضر بالمستهلكين ويغذي ممارسات غير شفافة. ومن أجل مواجهة هذا الوضع، أوصى المجلس بإعادة تنظيم أسواق الجملة، وتشجيع السلاسل القصيرة التي تقرّب المنتج من المستهلك، بما يخفض التكاليف ويحسن الجودة.
أما في قطاع الكهرباء، فقد اعتبر المجلس أن إصلاحا ًهيكليًا شاملاً أصبح ضروريا لفك اختناقات تاريخية. ودعا إلى إعادة تموقع المكتب الوطني للكهرباء والماء في مهام النقل والتوزيع والتنظيم، ومعالجة مديونيته، ومراجعة العقود غير التنافسية الخاصة بالإمدادات الأحفورية، مع تسريع إدماج الطاقات المتجددة وتوسيع قاعدة الاستثمارات الخاصة. الهدف من هذه الإجراءات هو تقليص كلفة الإنتاج وبناء سوق كهرباء أكثر شفافية واستقراراً للأسعار.
كما توقف التقرير عند سوق الأعلاف المركبة، حيث سجّل تركزاً مفرطاً واعتمادًا واسعًا على المواد الأولية المستوردة، ما يجعل الأسعار عرضة لتقلبات حادة ويمس بشكل مباشر بمربي الدواجن. واقترح المجلس تعزيز الإنتاج المحلي من المواد الأساسية، وتحسين لوجستيات الموانئ وجدولة الواردات، وتشجيع صيغ التجميع التي تمكّن المربين من الشراء الجماعي والحصول على تمويل أفضل، فضلاً عن تطوير مختبرات متخصصة وتشديد الرقابة الصحية.
ومن أبرز مستجدات السنة، سجل المجلس أول عملية “زيارة وحجز مفاجئة” في أكتوبر 2024 ضد فاعلين في سوق توصيل الطلبيات عبر التطبيقات، في خطوة غير مسبوقة جسدت تفعيل الصلاحيات الجديدة المنصوص عليها في القوانين المعدلة. كما أورد التقرير أن المجلس أصدر 171 قراراً خلال السنة، منها ثلاثة آراء كبرى، وعقد 255 اجتماعاً لتتبع الملفات.
وعلى مستوى مراقبة الاندماجات، أشار التقرير إلى انتعاش طفيف في الصفقات على الصعيد الدولي، مع عودة قطاعات التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية إلى الواجهة، مقابل تراجع حصة الأطراف المغربية في الصفقات المبلّغ عنها داخلياً إلى أقل من 22 في المائة سنة 2024، وهو ما يعكس اتساع حضور المستثمرين الأجانب ويستدعي يقظة أكبر لضمان منافسة متكافئة.
كما وثّق التقرير تحسنا نسبيا في البيئة الماكرو-اقتصادية الوطنية مدعوماً بارتفاع الدخل الأجري وتماسك الاستهلاك الخاص، في سياق تراجع الضغوط التضخمية عالمياً واستعادة الاقتصاد الدولي لتوازنه بعد أزمات السنوات الأخيرة.
ولفت التقرير إلى انتقال مجلس المنافسة إلى مقره الجديد بحي الرياض في الرباط، وتنظيم الدورة الأولى من اللقاء الدولي للمجلس بمراكش حول الحياد التنافسي والولوج إلى الأسواق، إلى جانب حضوره المتزايد في الفضاء العمومي والإعلامي، ما يعكس ارتفاع اهتمام الرأي العام بقضايا الأسعار والمنافسة.
وفي خلاصاته، شدد المجلس على أن المنافسة ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لحماية القدرة الشرائية وتحسين الخدمات وتحفيز الاستثمار المنتج. واعتبر أن خريطة الطريق المطروحة—من إصلاح قطاع الكهرباء وتحديث أسواق الخضر والفواكه إلى تعزيز سيادة الأعلاف—تشكل أرضية لبناء سوق أكثر عدلاً وشفافية وكفاءة، شرط التزام السلطات والفاعلين بتنفيذ التوصيات وتفعيل القوانين بحزم.







