قبل أن نبلع التصنيف الذي وضع التعليم المغربي في المرتبة 112 خلف دول تعاني من الحروب، خرجت علينا مديرة أكاديمية طنجة بتصريح مستفز لا نملك إلا أن نضعه ضمن خانة “التنكافات”.
المديرة التي نالت المنصب حديثًا وضعت المزيد من المساحيق التجميلية على “المدرسة الرائدة”، وقالت إن تلميذًا واحدًا من هذه المدرسة يعادل قبيلة كاملة من تلاميذ المدارس العادية، في ضربٍ خطير لمبدأ تكافؤ الفرص.
لن نلوم المديرة على تصريحها حول “معجزات” المدرسة الرائدة، فقد سبقها إلى ذلك الوزير برادة، الذي قال إن دولًا أوروبية وأمريكية تتوسل إلينا لكي تستفيد من معجزات هذه المدرسة!
من حق مديرة الأكاديمية أن تقول أكثر من ذلك، بعد أن حصلت على منصب فُصِّل على مقاسها، إلى جانب كتيبة من الأسماء التي نالت تزكية من برادة والمفتش العام، ضمن تعيينات ناعمة. وهو ما يفسر رد فعل مدير أكاديمية بني ملال، الذي رمى مفاتيح الأكاديمية وترك منصبه في التعليم العالي، وفضل الرحيل خارج المغرب حفاظًا على سلامته النفسية، في عهد وزير لا يجمعه بالتعليم سوى “الخير والإحسان”.
والواقع أن كل من يتابع “كلام الخشب” الذي يواجه به برادة أسئلة البرلمانيين حول واقع المدرسة العمومية، ونسب الهدر المدرسي المخيفة، و**”الوزيعة”** في التعيينات، سيخرج بقناعة أن الرجل أخطأ العنوان، ودخل الوزارة الخطأ.
الرجل يبدو إلى الآن مشتت الأفكار، باستثناء صراخه الدائم داخل الوزارة، وعاجز عن فهم أو تقديم أي جديد، مستسلم للإنشاء الذي سلمه له المتحكمون الفعليون بالوزارة، والذين أوصلوا المدرسة العمومية إلى القاع، وحطموا ثقة المغاربة فيها بفعل مخططات نعلم جميعًا مصيرها. لذا، بقوا في مناصبهم مكافأة لهم على ذلك، وعلى رأسهم المفتش العام، الذي نشرت نقابة معصيد غسيله القديم والجديد، لكن برادة وضع فوق رأسه قبعة الكاتب العام بالنيابة بعد التخلص من السحيمي.
برادة، الذي يضيع وقت المغاربة وحق أبنائهم في تعليم عمومي جيد، في “تفريق اللغا” حول فوائد ومعجزات المدرسة الرائدة، يتعامى عن حقيقة أنه، ورغم مشاريع “الإصلاح” والمليارات التي صُرفت على قطاع التعليم، فقد سبق للبنك الدولي أن شبهنا بمن يصب الماء في الرمل، حين كشف أن 66٪ من الأطفال المغاربة في سن العاشرة غير قادرين على قراءة وفهم نص بسيط. وها نحن اليوم نفيق على حقيقة أننا نحتل الرتبة 112 في مجال التعليم!
حقيقة صادمة تثبت أن الدولة لا تزال محكومة بهواجس قديمة في تعاملها مع وصفات “الإصلاح” التي طالت القطاع، والتي انتهت به إلى دوامة ومتاهة لا يُراد له الخروج منها، لتدفع أجيالٌ كاملة الثمن. ولعل تعيين برادة في المنصب هو رسالة واضحة على هذا التوجه.
البنك الدولي قال إنه منحنا 5000 مليار لإصلاح التعليم، وأنه لا حل لنا للخروج من وضعنا الحالي سوى بتعزيز رأس المال البشري، وشدد على أن نتائج التعليم هي أفضل المؤشرات للتنبؤ بالنمو المستدام في البلد، وأفضل وسيلة للحد من انتقال الفقر من جيل إلى جيل.
ليس هذا فقط، بل قال أيضًا إن الدولة تتهرب من الإصلاح الحقيقي للتعليم، والذي لا ينبغي اختزاله في الميزانيات والدراسات فقط.
بعد كل هذا، نعاين السي برادة وهو يستهلك المزيد من المال والوقت في التكوينات والتصريحات، ويتمادى في تعيين من يتقنون التطبيل له في مناصب المسؤولية.
المجلس الاقتصادي والاجتماعي أكد بدوره أن مشاريع إصلاح التعليم قفزت على عدد من الأعطاب الأساسية، وغرقت في “الإيديولوجيا والحسابات السياسية”.
حسابات فرضت في نهاية المطاف عودة الملايين من أبناء المغاربة إلى حظيرة الفرنكفونية، ضدا على المنطق الذي اعتمدته جميع دول العالم، بما فيها فرنسا، والذي يقول إن المستقبل للغة الإنجليزية.
المجلس خرج بدوره بمعطيات صادمة حول نزيف الهدر المدرسي، الذي يجعل حوالي نصف مليون تلميذ وتلميذة يودعون فصولهم كل سنة، 29 في المئة منهم في المستوى الابتدائي، وهو الرقم الذي لا علاقة له بـ331 ألف تلميذ وتلميذة الذين أعلن عنهم الوزير القادم من عالم المصاصة.
لا بأس أن نُذكّر برادة بأن ذات المجلس وجه دعوة صريحة للدولة من أجل جعل إصلاح المدرسة أولوية وطنية بعد قضية الوحدة الترابية، وجعلها فرصة للارتقاء الاجتماعي لجميع المغاربة دون تمييز. وقال إن أي توجه غير ذلك سيزيد في إنتاج المزيد من الفوارق ومظاهر الإقصاء، قبل أن نُكرّس تمييزًا ينطوي على جريمة تجعل تلميذًا واحدًا من المدرسة الرائدة يعادل 80 تلميذًا من المدرسة العادية.
اليوم، بدل أن نُصلح التعليم ونستثمر بجدية في “البشر”، زدنا في تعميق أزمته، لينتج في النهاية مدرسة أُريد لها أن تبقى معطوبة، وبدون ملامح، رغم آلاف المليارات التي بُدّدت في صفقات فاسدة لا يزال المغاربة ينتظرون كشف المتورطين فيها.
استرجاع الثقة في المدرسة العمومية أمر يسير، لكنه يصطدم بواقع أن تقرير مصير التعليم في هذا البلد لا يزال بيد حفنة أشخاص ليست لهم أي صفة رسمية.
هؤلاء يخططون من وراء الستار في أمور حاسمة تهم مستقبل أبناء المغاربة، ويملكون فوق ذلك أدوات خاصة لتركيع الأحزاب، وتطويعها، وجعلها قنطرة لتمرير عدد من المشاريع والبرامج الملغومة التي تمس مستقبل التعليم.
وضع كرّسه الأسلوب الذي تم به تمرير مشروع القانون الإطار، بسبب الشبهات التي لاحقت بعض فقراته، والضجة التي أعقبت التصويت عليه، والتي زادت في رفع منسوب الشك تجاه المتاهة التي تسير إليها المدرسة العمومية، بشكل سيَصب بالتأكيد في مصلحة التعليم الخاص.
اليوم، هناك حقيقة راسخة، وهي أن الدولة لا تملك نية واحدة تجاه التعليم العمومي، كما لا تملك تصورًا واضحًا.
واليوم أيضًا، بات يقينًا أن الدولة تسعى ما أمكن، وبكل جهد، لتخفيف العبء المالي للتعليم العمومي، بفتح الباب مشرعًا لمؤسسات التعليم الخاص لتمتص أكبر عدد ممكن من التلاميذ، أما المدرسة الرائدة فستبقى مجرد “قالب”.







