حين رُفع شعار “ارحل” في وجه أخنوش، خرجت إنكشاريته للحديث عن مؤامرة تستهدف رئيس الحكومة وعراب المحروقات، وهي رواية تبنتها وكالة الأنباء الرسمية.
اليوم، لن نستغرب إذا ما اجتهد “طبالو” أخنوش في ربط احتجاجات مستشفى الحسن الثاني بأكادير بمؤامرة تستهدف الملياردير، عمدة المدينة، ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، في معقله، على بعد أشهر من الانتخابات.
الواقع أن هذه الاحتجاجات كانت ردًّا صريحًا على حالة الفصام التي يعيشها أخنوش ومن معه، والتي تهدد بإشعال نيران حراك جديد قد يزحف من مدينة لأخرى، ما دامت واقعة “الحسن الثاني” تأتي بعد ساعات من حوار أخنوش الذي رسم لنا مغربًا ورديًا من وحي الانتخابات.
ليس أخنوش وحده من سقطت عنه ورقة التوت وصار عاريًا بعد احتجاجات أكادير، فالوالي أمزازي سقط بدوره في أول امتحان، وتبيّن أن صاحب “المتتوجات والمتتوجين” يحمل جينات رجل سلطة من سنوات الرصاص.
أمزازي القادم من وزارة التربية بعد فترة عطالة تحول بعدها لوالي…سعى لقمع الوقفة باستعراض مستفز للقوة العمومية، عوض التعامل بشكل استباقي مع المشكل الذي أجّج الغضب في صدور الناس وجعلهم يخرجون إلى الشارع ليصبحوا وجهًا لوجه مع هراوات السلطة.
هذا السلوك ليس غريبًا عن أمزازي، فقد سبق أن زرع أكثر من أزمة في جسد التعليم… لكن الرجل، وبالمناسبة، يمنع عن الناس حقًّا مارسه حين خرج ليحتج لمجرد أن مدرسة للبعثة الفرنسية زادت في الرسوم التي يدفعها مقابل تعليم أبنائه.
ياك عاقل السي أمزازي؟ لأن الصور موجودة.
وبعيدًا عن أخنوش الفصامي… وأمزازي الصدامي… اليوم هناك معاناة مريرة ومسكوت عنها لشريحة واسعة من المرضى المحتاجين لتدخل جراحي أو فحوصات بالأشعة أو غيرها، والذين يُفرض عليهم البقاء تحت رحمة مواعيد زاد أمدها على عهد “الدولة الاجتماعية”.
حين احتل المغرب رتبة متأخرة في الرعاية الصحية وراء بنغلاديش، وهي – بالمناسبة – أشد الدول فقرًا وأكثرها عرضة لجميع أنواع الكوارث، لم نسمع أي رد فعل حكومي.
بالعكس، تم الحديث عن كون جائحة كورونا ستكون فرصة لمصالحة المغاربة مع مستشفياتهم العمومية، لكن تبيّن أن الفيروس رحل، لكن قطاع الصحة بقي كما كان دائمًا.
قطاع مريض منذ عقود، رغم كل ما صُرف عليه، ورغم كل المناظرات، والندوات، والتقارير، والفضائح التي أنتجت لنا في النهاية مستشفيات تعج بالسماسرة والرشوة، ولا تتوفر أحيانًا على إبرة أو خيط، ويشتكي العاملون فيها من انعدام الصابون، ووجود الجرذان والصراصير والقطط، وهي ظروف لا توجد حتى في الدول التي تعاني من حروب، ومن ظروف اقتصادية جد قاهرة.
الحكومة الحالية لا تملك عصًا سحرية، لكنها أيضًا لم تكن تملك إرادة حقيقية للشروع في إصلاح هذا القطاع عبر تطهيره من الفساد والرشوة، والعمل على دعمه ماليًا وتحفيز العاملين به، رغم “الفتات” الذي قدمته. لذا اكتفت باختزال قطاع جد حساس ومهم بالنسبة لعموم المواطنين في أرقام ميتة تُقدَّم عند مناقشة مشروع قانون المالية، مع التبشير بتغطية صحية “تُعري” المواطن وتصنع ثروات لغول المصحات الخاصة.
حكومة فشلت في تحقيق إنجاز واقعي على مستوى قطاع الصحة، الذي تتعامل معه الدولة كعبء، كما هو حال قطاع التعليم، كما فشلت في التصدي لممارسات وأساليب الابتزاز والاتجار في مآسي الناس التي تتبناها العديد من المصحات الخاصة.
النتيجة أن المغاربة صاروا يهربون من مستشفيات تُعمق إحساسهم بـ”الحكرة” وتعاملهم بمنطق المنّ والصدقة، إلى مصحات خاصة تتلاعب بهم وبجيوبهم دون حسيب أو رقيب.







