أثار مقطع فيديو تم تصويره في قادس ضمن فيلم عن تهريب المخدرات جدلًا واسعًا بعدما تم تداوله على مواقع التواصل وكأنه حقيقي، حيث أظهر مروحية ـ قيل إنها تابعة لوزارة المالية الإسبانية ـ تطارد زورقًا سريعًا لتهريب المخدرات وسط خليج قادس، وخلفهما جسر الدستور الشهير.
المشاهد التي وصفها كثيرون بالمذهلة والمليئة بالتوتر، أظهرت أحد ركاب الزورق وهو يحاول حتى ضرب المروحية بجسم مجهول.
لكن، هل كانت مطاردة حقيقية؟ هل نجح أحد الشهود في توثيق عملية استثنائية لمكافحة التهريب في مياه قادس؟
آلاف المستخدمين صدقوا الرواية وتناقلوا الفيديو بسرعة كبيرة، خصوصًا وأنه بدا كأنه مقتبس من فيلم حركة عالمي: نهارًا، في مشهد طبيعي بارز، وأحداث مثيرة تبدو وكأنها من إنتاج هوليوود.
انتشر الفيديو بسرعة هائلة، وكان رجل أعمال محلي يُدعى أوجينيو بيلغرانو هو أول من نشره على منصة “ثريدز”، مرفقًا بتعليق غامض:
“يبدو كأنه فيلم أكشن. مروحية تابعة لوزارة المالية تطارد زورق مخدرات في خليج قادس وخلفهم الجسر الجديد.”
رغم استخدامه لكلمة “يبدو”، فقد فسر كثيرون ـ بما فيهم وسائل إعلام ـ الأمر على أنه واقعي، ما تسبب في تداول واسع، كما كشف لاحقًا موقع Diario de Cádiz.
أحداث الفيديو كانت جذابة أكثر من أن يتم تجاهلها، لتنتشر على نطاق واسع بين الحسابات المجهولة والمؤثرين وحتى صحف وطنية. وسرعان ما أصبحت “العملية المفترضة” ضد التهريب حديث الساعة، وأثارت نقاشات حول الأمن العام وتوسع نفوذ شبكات المخدرات في المنطقة.
ربط بعض المستخدمين الفيديو بالتدهور الأمني الذي تبع حل وحدة OCON-Sur الأمنية، ما عزز الاعتقاد بأن الفيديو حقيقي.
لكن مع مرور الوقت بدأت الشكوك تظهر، حيث بدأ بعض المستخدمين في التشكيك في حقيقة الفيديو، ليأتي التأكيد من Diario de Cádiz:
المشهد كان في الواقع جزءًا من تصوير فيلم بعنوان “Tierra de Nadie” (أرض لا أحد)، من إخراج ألبرت بينتو، وتم تصويره فيلا أماكن متعددة من إقليم قادس في أبريل 2024.
المشهد لم يكن عملية حقيقية من وكالة الضرائب، بل لقطة تمثيلية شارك فيها ممثلون معروفون مثل لويس زاهيرا، كارا إليخالد، وخيسوس كاروثا، وكان الهدف منها تصوير قسوة تهريب المخدرات على الشاشة الكبيرة. لكن على مواقع التواصل، تحولت إلى “وثيقة واقعية” مزيفة.
رغم النفي.. الشائعة لا تزال تنتشر
ورغم النفي، لم يتوقف تداول المقطع. بعض الحسابات حذفته بعد التأكد من زيفه، لكن آخرين أبقوه منشورًا، مما ساهم في استمرار الخلط. ولا يزال بالإمكان العثور على نتائج حول “مطاردة مروحية في قادس” على محركات البحث.
هذا الحدث يعيد فتح النقاش حول التضليل الإعلامي ودور الصحافة في عصر السرعة، حيث إن الرغبة في نشر ما يبدو مثيرًا قد تؤدي إلى نشر أخبار زائفة بسهولة. وعندما يكون الأمر متعلقًا بقضية حساسة كتهريب المخدرات، تصبح مسؤولية التحقق أكبر بكثير.
في غضون ذلك، لا تزال مشكلة المخدرات في قادس حقيقية ومتفاقمة. ففي آخر تقرير لها، حذرت النيابة العامة الإسبانية من “الانتشار المقلق” للزوارق السريعة (المعروفة بـ”الناركو لانشاس”) عند مصب نهر الوادي الكبير وعلى سواحل قادس، معتبرة أن تراجع الضغط الأمني ساهم في تفاقم الظاهرة، والتي ترتبط بشكل مباشر بمنطقة سبتة، أحد المعابر الرئيسية لتهريب المخدرات نحو إسبانيا.
ما بدأ كمشهد سينمائي أصبح مثالًا حيًا على كيف يمكن أن تختلط الحقيقة بالخيال. كما أنه يُعد تحذيرًا واضحًا:
في عصر مواقع التواصل، قد تصبح الحدود بين الحقيقة والكذب رقيقة جدًا، تمامًا مثل الطيران المنخفض لمروحية فوق خليج قادس.







