سجل المتتبعون في هذه السنة عدة تدخلات اضطرارية مباشرة لجلالة الملك في تدبير الشأن العام. بعد أن جاء دستور 2011 ليمنح صلاحيات هذا التدبير الى الجهاز التنفيذي المتمثل في حكومة منتخبة ووضعها أمام رقابة المواطن في القيام بمسؤولياتها ومهامها ، وتأتي هذه التدخلات التي تسارعت وثيرتها في هذه السنوات الأخيرة بعد تسجيل مؤشرات مقلقة في تدبير عدد من القطاعات الحيوية ،
وهكذا أسند حفظه الله مهمة مراقبة القطيع الوطني للمواشي الذي يتأسس عليه الأمن الغذائي للمغاربة إلى وزارة الداخلية عوض وزارة الفلاحة بعد نشر أرقام مغلوطة وغير بريئة كشفت عن رغبة جامحة لدى البعض في شفط الدعم العمومي المخصص لهذا المجال قبيل العيد تماما كما وقع في نفس المناسبة خلال السنة الماضية ، فظهرت الإحصاءات الحقيقية التي ضربت الارقام في الضعف بعد ستة أشهر فقط من الإحصاء الاول من 17 مليون راس الى 34 مليون ،
ثم أسند حفظه الله المشاورات حول إعداد برامج التنمية المجالية المندمجة الى وزارة الداخلية ، في خطاب العرش وذلك لقطع الطريق أمام السياسات التي جعلت من المغرب بلدا يسير بسرعتين ،وتسببت في خروج احتجاجات في مناطق مختلفة مطالبة بأبسط الحاجيات الضرورية للحياة فتسارعت اللقاءات مع الفاعلين والمجتمع المدني لتشخيص الواقع واقتراح الحلول الناجعة بشكل تشاركي مندمج وهو ما خفف كثيرا من الاحتقان والضغط الذي كان سائدا قبل خطاب العرش حين جسدته مسيرات من البوادي نحو مراكز اتخاذ القرار
وأسند في نفس الخطاب المشاورات ذات الصلة بالقوانين الانتخابية الى وزارة الداخلية أيضا عوض رئيس الحكومة كما كان معمولا في السابق في تحول كبير منذ دستور 2011 مع تقديم توجيهات رسمية واضحة لضمان شفافية هذه الانتخابات ونزاهتها ، وهو ما من شأنه أن يضمن توسيع المشاركة فيها واحترام نتائجها وأخيرا خرجت أنباء عن إسناد ملف إنقاذ الصحة الى سمو ولي العهد مباشرة بعد احتجاجات على وضعية القطاع في عدد من أقاليم المملكة وهو ما يبشر بالخير في تحريك ملف معقد وحساس.
كل هذه القرارات وإن كانت تطمئن المواطن بتدخل الدولة على أعلى مستويات اتخاذ القرار عند الاقتضاء ، فإنها في نفس الوقت مؤشرات مقلقة تعطي صورة عن المغرب باعتباره بلدا في حاجة إلى تدخلات رجال الاطفاء في كل وقت وحين في التدبير المباشر للشان العام في ملفات حساسة تعني قوت المغاربة وصحتهم ومستقبل انتخاباتهم التي تفرز المؤسسات التي تدبر شؤونهم مركزيا ومجاليا، وتفقد الثقة في إمكانية وجود تدبير حكومي فعال ومسؤول تقوم به مؤسسات نابعة من صناديق الاقتراع تعكس إرادة واعية للمغاربة ، في عالم شديد التقلب والتحول والتعقيد، والحاجة فيه ماسة إلى تقوية الجبهة الداخلية بتقوية المؤسسات ، وتكاملها في القيام بمهامها وأدوارها ، وتحمل مسؤوليتها في ذلك
فهل نستفيد من الدرس ؟







