في الوقت الذي أطلقت فيه حكومة عزيز أخنوش استراتيجيتها الرقمية وسط وعود كبرى بتسريع التحول التكنولوجي وجعل المغرب منصة رقمية إقليمية، عادت الأسئلة الحارقة لتطفو على السطح بشأن واقع هذا القطاع وحجم الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الملموس. فبينما رُوِّج للمشروع باعتباره ثورة رقمية و”قفزة نوعية”، تبدو الصورة أكثر ضبابية على الأرض، إذ تكشف المؤشرات عن بطء في تنزيل البرامج وغياب أثر ملموس على حياة المواطنين والخدمات العمومية.
هذا التناقض تجسّد بوضوح في شكايات مواطنين وفاعلين اقتصاديين، من الأعطاب المتكررة والانقطاعات غير المبررة التي تشهدها بعض المنصات الرسمية للوزارات والإدارات العمومية، ما يثير قلق المرتفقين الذين يجدون أنفسهم محرومين من خدمات يُفترض أن تكون متاحة على مدار الساعة، في وقت تعلن فيه الحكومة تباعاً عن خطط طموحة للرقمنة وتبسيط المساطر.
مواطنون تحدثوا عن صعوبة الولوج إلى مواقع وزارية لساعات أو حتى لأيام، دون إشعار مسبق أو بدائل تواصلية، الأمر الذي يعمّق فجوة الثقة بين الدولة والمرتفقين، ويضع علامات استفهام حول جدية الشعارات المرفوعة بشأن “المغرب الرقمي 2030”.
المفارقة أنّ الحكومة التي خصصت في أكثر من مناسبة مؤتمرات وندوات للاحتفاء بالرقمنة، لم تقدّم بعد حصيلة واضحة بالأرقام حول المشاريع التي تحققت فعلياً، ولا حول نسب الولوج إلى الخدمات الرقمية التي ما تزال محدودة جداً خارج كبريات المدن.
وفي مواجهة هذا الوضع، أصدرت الشبكة المغربية لحقوق الإنسان والدفاع عن الوحدة الترابية بياناً شديد اللهجة، اعتبرت فيه أن تعطل المنصات الرسمية وغياب قنوات تواصل فعالة مع المواطنين يمثلان تقصيراً يضرب في العمق الحق الدستوري في الحصول على المعلومة، المنصوص عليه في الفصل 27 من الدستور. الشبكة طالبت بإصلاح شامل وضمان استمرارية عمل المواقع، مع إلزام الإدارات بنشر بلاغات فورية في حال توقف أي خدمة رقمية.
هذا السجال يتقاطع مع ورش مراجعة قانون الحق في الحصول على المعلومات (31.13)، الذي تقوده وزارة الانتقال الرقمي منذ يونيو الماضي. القانون، الذي اعتُبر عند اعتماده سنة 2018 خطوة نحو تكريس الشفافية، أثبتت التجربة أنه يعاني أعطاباً بنيوية: آجال طويلة للرد على الطلبات، غموض في مسألة المجانية، وقلة في الموارد البشرية المؤهلة. أما اللجنة المكلفة بتتبع تطبيقه، فلم تصدر منذ إنشائها أي تقرير سنوي، ما يجعل تقييم الحصيلة أمراً شبه مستحيل.
وبين وعود رقمنة الإدارة وواقع مواقع متوقفة بلا تفسير، تتكشف المفارقة الكبرى لحكومة تزعم أنها تريد قيادة البلاد إلى صدارة إفريقيا رقميا، لكنها تعجز عن ضمان أبسط متطلبات الشفافية والتواصل مع المواطنين.







