في أعقاب موجة المظاهرات التي اجتاحت عددا من المدن المغربية خلال اليومين الماضيين، وما رافقها من أعمال عنف وتخريب استهدفت وكالات بنكية ومحلات تجارية وسيارات عمومية، عاد سؤال جوهري إلى الواجهة: كيف تتمكن السلطات من تحديد هوية المتورطين في مثل هذه الأحداث، رغم استعانتهم غالبا بالأقنعة واللثام لتضليل أعين الكاميرات والشهود؟.
في تجارب عديدة عبر العالم، من اقتحام مبنى الكونغرس الأميركي في يناير 2021، إلى احتجاجات “السترات الصفراء” في باريس أو مواجهات برشلونة بعد أزمة كاتالونيا، برزت وسائل متطورة لكشف هويات المشاركين في أعمال العنف، تراوحت بين الاعتماد على أرشيف تسجيلات كاميرات المراقبة، وتحليل الحركات الجسدية، وصولا إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تطابق تفاصيل دقيقة من ملامح الوجه مع قواعد بيانات واسعة.
وعلى الرغم من أن بعض الملثمين قد يظنون أن اللثام يحجبهم عن الملاحقة، إلا أن الخبرات الدولية أثبتت العكس. ففي أحداث الكابيتول الأميركي، تم التعرف على العشرات من المقتحمين عبر صور نشروها بأنفسهم على مواقع التواصل، أو عبر مطابقة تفاصيل ثيابهم ووشومهم وحركاتهم مع معطيات متاحة للعموم. وفي فرنسا، لجأت السلطات خلال احتجاجات “السترات الصفراء” إلى تتبع الهواتف المحمولة وتحديد المواقع الجغرافية بدقة، ما ساعد على ربط الأشخاص بأماكن حدوث التخريب.
المغرب، بدوره، لا يخرج عن هذا السياق العالمي. إذ تشير مصادر مطلعة إلى أن عمليات تتبع المشتبه فيهم تعتمد على تجميع الأدلة الرقمية والميدانية، بما في ذلك تحليل المقاطع المصورة التي ينشرها بعض المحتجين على الإنترنت، أو تلك التي تلتقطها كاميرات خاصة وعامة في الشوارع. كما يجري الاستماع إلى شهود عيان وربط الأحداث بسياقات محلية محددة، ما يتيح بناء صورة دقيقة تقود إلى تحديد المشتبه بهم.
هذا المسار لا ينحصر في الجانب الأمني وحده، بل يتداخل مع القضاء الذي يبت في سلامة الأدلة ويحسم في مسؤوليات الأفراد، حتى وإن حاولوا التخفي وراء الأقنعة والملابس الموحدة. ويؤكد خبراء أن التكنولوجيا الحديثة وسلوكيات الأشخاص نفسها تجعل من الصعب إخفاء الهوية بالكامل وسط الفوضى، إذ يكفي خطأ بسيط أو صورة جانبية ليقود المحققين إلى الجهة الصحيحة.
وإذا كانت أحداث العنف الأخيرة بالمغرب قد طرحت تساؤلات حول حدود الاحتجاج المشروع وأفعال التخريب المجرّمة، فإنها كشفت أيضًا عن تطور آليات التتبع والتحقيق التي لم تعد تسمح بأن يظل الملثمون بمنأى عن المساءلة.
وتؤكد النيابة العامة أنها ماضية في تطبيق القانون بحزم في مواجهة كل من تورط في أعمال التخريب والعنف، مع الحرص في الوقت نفسه على احترام الضمانات القانونية، خاصة في ملفات القاصرين الذين أُحيل بعضهم على قضاء الأحداث. وبينما تتواصل الأبحاث لتقديم متورطين آخرين أمام العدالة، تبقى المعضلة الكبرى هي الحفاظ على سلمية الاحتجاجات، وإعادة بناء جسور الثقة بين المؤسسات والشباب، لتفادي انزلاق الشارع إلى مسار يجرّد المطالب الاجتماعية والسياسية من مشروعيتها ويُدخل البلاد في دوامة لا رابح فيها.







