الحياد والصمت أو تبرير ما لا يُبرَّر بتحاليل تدّعي الحكمة والموضوعية ومصلحة البلد والخوف عليه في لحظات الحسم والفرز، لا يمكن وصفها إلا بأنها شكل من أشكال الجُبن والتواطؤ على مستقبل الوطن، واغتيال لما تبقى للسياسة من نبض وهي تحتضر منذ زمن غير قصير، بأيادٍ من مختلف المواقع التي ساهمت في تحطيم مفهوم الثقافة السياسية، واستبدلت السياسة، بما تنطوي عليه من قيم ووضوح في الرؤية وجرأة وأخلاق وعمق في التحليل ورزانة في المواقف ونبل في الممارسة، إلى مساحة تغمرها التفاهة والبؤس والعنف في اللغة والخطاب، وفي التعاطي مع قضايا الوطن والمواطن.
هذا المواطن الذي أصبح متهمًا إلى أن تثبت براءته، بمجرد ألا يعلن نفسه مواليًا أو تابعًا أو مطبّلًا أو راقصًا على أنغام الولاء لأشخاص ومؤسسات، أثبتت التجربة شغفها المرضي بالسلطة في شكلها “الجديد”، وليس لهذا المفهوم أي صلة بالمفهوم الذي وعيناه ذات زمن مشترك، حين كانت السلطة نُبلًا وصونًا لكرامة المواطن وماله وحقوقه وسلامته، وضمانة لحمايته من تعسف كل تمظهرات القوة.
الفرق بين الأمس واليوم في ظاهره ليس كبيرًا؛ نفس المطالب، نفس الانتظارات، ونفس الأعطاب، مع بعض أوجه الاختلاف التي يمكن تلخيصها على الأقل في كون محاولات صناعة الأمل قد حلت محلها إرادات وخطابات وممارسات تشيع اليأس والإحباط. وأنا شخصيًا أحمّل الأحزاب السياسية مسؤولية جسيمة لما آلت إليه، نظرًا لما أصابها من تهلهل وضعف، وما استوطنها من فساد وتعفّن سياسي وتنظيمي، وتبخيس للتاريخ، وتناسٍ متعمّد للمنعطفات الأساسية التي شهدها المغرب منذ أواخر التسعينات، وهي منعطفات شكلت إرثًا حقوقيًا وسياسيًا ونضاليًا، جرى التنكّر له بعد أن تم استهلاك لحظاته من خلال الكراسي والمناصب والمواقع، بعقوق صارخ ونكران جميل، وبتلويث كل ما اعتبرناه يومًا باعثًا للحلم ومصدرًا للأمل.
لا زلت أتذكر أحد الشعارات التي رفعها شباب الحزب الذي كنت أنتمي إليه يومًا: “التغيير إرادة جيل”. وقد شاخ أصحاب الشعار، ودُفن بعضهم في عزلة الانكفاء، وأنا واحد منهم. لكن لأن الطبيعة ولّادة، ولأن المجتمعات لا تركن إلى الجمود، فإن التطلع إلى التغيير يظل معطى إنسانيًا لا يمكن مقاومته. والجيل الحالي، بحركيته ووعيه، أيقظ فينا أسئلة طالما طويناها في عمق الطموحات الصغيرة والمخاوف البليدة؛ أسئلة تتعلّق بالديمقراطية، بعلاقة المواطن بالسلطة، بالعدالة الاجتماعية والمجالية، بالصحة، بالتعليم، وبحقوق الإنسان كما نص عليها الدستور والمواثيق الدولية، وهي حقوق لا تقبل التجزيء ولا الخضوع للمزاج.
نحن أمام جيل جديد لم يعش عهد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ولم تلمس جسده عصي الأمن أو ركلاته أو شتائمه، فكبر حلمه، واتسع أفقه، وازداد غضبه النبيل. أراد وطنًا جديدًا، يكفل له ولأسرته الكرامة والصحة والتعليم، وأراده في الوقت نفسه نظيفًا، خاليًا من الفساد، والحُكرة، والتسلّط. عبّر عن كل ذلك وأكثر بنفس جديد، وأسلوب حداثي راقٍ ومُقنع، في شكله ومضمون شعاراته ومطالبه، وبلغة صيغت بحب ووعي ومسؤولية، ضمن نوافذ احتجاج مفتوحة بسعة حلم وطن.
إن ما يحدث ليس مدعاة للخوف، بل لحظة تستوجب التأمل، والإصغاء، والتفاعل الإيجابي البعيد عن التهويل أو التبخيس. وهي لحظة تتطلب كثيرًا من التواضع والتقدير والتفهّم، وعلى الجميع أن يتحمّل مسؤوليته الكاملة، كلٌّ من موقعه، وبما يملك من تجربة وصدق ومحبة لهذا الوطن.
عزيز رويبح
نقيب هيئة المحامين بالرباط







